دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٢٨

فأراد البارودي من طريقة هذه الأساليب، واتصل مباشرة بينابيع الشعر العربي القديمة في العصر العباسي، وما قبله من عصور، ولم يلبث أن أساغها وتمثلها تمثلا دقيقا، فقد أشربتها روحه، وأصبحت جزء ا لا يتجزأ من شعره وفنه .. !.

وواضح من ذلك أن مذهبه الفني لم يكن يقوم على نبذ القديم كله، وإنما كان يقوم على نبذ صورة خاصة، هي صورة الشعر الغث الذي ينتجه عصره والعصور القريبة منه، أما الشعر العباسي وما سبقه، فينبغي للشاعر ألا ينبذه، بل عليه أن يسير في دروبه، ويصب على صيغه وقوالبه، وكان هذا الاتجاه يعد ثورة في عصره، لأنه خروج عن مألوف معاصريه، وعود بهم إلى أساليب لا يعرفونها ولا يألفونها، وكانت قد فسدت أذواقهم فأصبحت لا تقدرها قدرها، ولا تشعر بما فيها من متاع وجمال "1".

وإذا كان (الفرزدق) بشعره في العصر الأموي قد حفظ ثلث اللغة، وإذا كان شعراء الأراجيز في العصر الأموي أيضا، وعلى رأسهم (رؤبة بن العجاج) قد حفظوا في أراجيزهم كثيرا من المتون اللغوية الغريبة التي كانت مهددة بالضياع، وقاموا بدور ملحوظ في مجال الشعر التعليمي … إذا كان للفرزدق وشعراء الأراجيز في العصر الأموي هذا الأثر الكبير، فقد كان للنبهاني في عمان والبارودي ـ في مصر ـ الفضل الكبير والعظيم أيضا في حفظ هذه الثروة اللغوية من غريب اللغة، وانقاذ التعبير الشعري ـ أو ـ اللغة الشعرية في عصريهما من مهاوي الابتذال والركاكة، والبعد عن منابع اللغة النقية الصافية في أزهى عصورهما … وتقديم نموذج قوي محكم للبناء التعبيري الأدبي، واللغة الشاعرة في عصور كانت اللغة العربية فيها مهددة بالابتذال والانحطاط، والعجمة والركاكة، وكادت نماذج الشعر العربي التي عرفناها في عصور القوة والازدهار أن تختفي، وأن تؤذن شمسها بالمغيب .. !


1 ـ الأدب العربي المعاصر في مصر ـ ص 87، 88 ـ للدكتور شوقي ضيف

٢٨ / ١٣٢