دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٢٩المبحث الثاني
الرؤية الوطنية في الشعر العماني الحديث
مقدمة:
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن الشعر الذي يقدم رؤية وطنية ـ بمفهومها العميق الذي يشمل الأرض والإنسان والقيم والمبادئ ـ هذا الشعر يمثل ـ في نظري ـ واحة من أجمل واحات الاخضرار في عالم الشاعر العربي، ونبع نقاء وصفاء من أعذب الينابيع التي فاض بها نهر الشعر العربي قديما وحديثا … ! إنها الواحة التي ترفرف حولها قيم الإنسان ومبادئه، وذكريات الماضي، وكفاح الحاضر، وأمل المستقبل، والنبع الذي يرده في هجير الحياة، فينهل منه كؤوس الحب والحنان، ويجد في ظله الظليل بردا وسلاما، وروحا وريحانا .. !
ولا عجب إذا وجدنا في تراثنا العربي، عشرات القصائد التي تفيض بالحنين إلى الأوطان، وعديدا من الكتب التي تقدم لنا مختارات من ذلك الشعر، أو دراسات أدبية عنه بل .. ولا عجب إذا وجدنا كتبا في مجالات أخرى غير مجال الأدب: تهتم أيضا بتقديم نماذج من ذلك الشعر، كمعجم البلدان لياقوت الحموي وهو ـ كما نعلم ـ مصدر من مصادر الجغرافيا العربية القديمة، ومع ذلك نراه يقدم لنا نماذج من الشعر، الذي قيل في الحنين إلى وطن من الأوطان، أو تفضيله على وطن آخر، مما يمكن أن تفسر على ضوئه، كيف نمت البذور الأولى للنزعات الوطنية الإقليمية في العصر العباسي.
إضاءة تاريخية حول تطور مفهوم الرؤية الوطنية في التراث العربي:
ولعل من الإنصاف للدراسة الموضوعية المتأنية، أن أحاول إلقاء بعض الأضواء على مفهوم كلمة (الوطن) في التراث العربي، لكي نتبين معالم هذا المصطلح والتيارات التي سار فيها، والتطورات التي ألمت به في الماضي، ولا مفر ـ إذن ـ من توضيح مفهوم الوطن في التراث العربي ممثلا في مجالين: ـ
أ ـ المعاجم اللغوية.
ب ـ الشعر العربي القديم.
وسأبدأ بتناوله في: ـ