دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٣١2 ـ ومفهوم تؤمن به طائفة لم تنسجم مع تقاليد المجتمع السائدة حينذاك، وهي: طائفة الصعاليك من خلعاء وأغربة، وقد آمنت هذه الطائفة بمفهوم آخر للوطن، يقوم على عصبية المذهب والاتجاه، لا عصبية النسب، وقد اتخذ شعراء الصعاليك من الصحراء الموحشة مستقرا لهم، وعانوا التشرد في أرجائها الشاسعة، ووديانها المخيفة، وافتخروا باهتدائهم فيها دون دليل، أو قيامهم بمهمة الدليل لجماعة من رفاقهم، يفتخر " تأبط شرا " في حديثه إلى امرأة خطبها فامتنعت عليه، بأنه لطول تشرده في أعماق الصحراء، قد ألفته وحش الصحراء، واطمأنت إليه، حتى لتُوشِكُ أن تصافحهُ، لو أن وحشا تصافح إنسا:
يبيتُ بمغنى الوحش حتى ألِفنَهُ **** وَيُصبِحُ لا يَحمي لَها الدَهرَ مَرتَعا
رَأَينَ فَتىً لا صَيدُ وَحشٍ يُهِمُّهُ **** فَلَو صافَحَت إِنساً لَصافَحنَهُ مَعا "1"
وقبل أن نغادر مفهوم الوطن في العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي، يجدر بنا أن نشير إلى تفسير بعض النقاد القدامى والمحدثين المقدمة الطللية في القصيدة الجاهلية، على أنها تعبير عن الحنين إلى الأوطان، هذا ما يراه (الآمدِيُّ) في موازنته بين أبي تمام البحتري "2" و (ابن رشيق) في العمدة في صناعة الشعر ونقده "3"، والدكتور شوقي ضيف في كتابه (دراسات في الشعر العربي المعاصر) "4".
وحين جاء الإسلام، دعوة عالمية، مبشرا بدعوة الحرية والإخاء والمساواة للناس كل الناس، اتسع مفهوم الوطن، فأصبح وطنا عقائديا، يشمل كل أرض يذكر فيها اسم الله، وكل أرض ترتفع فيها المآذن داعية إلى عبادة الله … !
1 ـ الأغاني 18/ 217 وقد ورد البيت الأول من هذين البيتين في كتاب (محاضرات الأدباء) للراغب الأصبهاني، هكذا: أبيت بمعنى الوحش حتى ألفته ـ وتصبح لا يحمى لها الدهر مرتعا (محاضرات الأدباء ص 618 باب: من ألفته السباع والمفارز).
2 ـ 1/ 409 ـ الطبعة الثالثة
3 ـ 1/ 198
4 ـ ص 166