دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٣٨ولعل من المفيد أن نشير إلى مفهوم آخر للوطنية شاع لدى بعض شعراء المهجر الأمريكي في العصر الحديث، يرى أصحابه " أن الوطنية الصحيحة لا تقف بينك بين محبة أوطان الآخرين، وأن الإنسان الأمثل ـ كما عرفه قسطنطين زريق ـ هو الذي يشمل عالم الكون بأسره ـ والبشر بكاملهم … حتى يصبح ابن العالم "1" " والرجل الأمثل لدى أصحاب ذلك الاتجاه هو الذي يشمل العالم كله، وباستطاعته أن يشمل الجزء الذي يعيش فيه، دون تعصب لطائفة أو جنس أو لون، كما يرى (أحمد أمين) أنه لا بد من قيام الوطن الإنساني الأكبر، لأن العلم قد كسر الحدود بين الأمم، وألغى المسافات بين أجزاء العالم … فوسائل النقل هي وسائل العالم، والراديو صوت العالم، وخيرات العالم للعالم "2"، ويقول (جبران) بهذا الصدد: " إن الأرض كلها وطني، وجميع البشر مواطني "3" "، كما يرى (ميخائيل نعيمة) أن الوطنية الإنسانية يجب أن تتحقق الآن، وأن القومية العمياء يجب أن تتنحى جانبا من الطريق، أو أن تسير مبصرة مؤمنة مع قافلة الإنسانية المؤمنة المبصرة إلى هدفها البعيد، ألا وهو توحيد قوى الإنسان، وتحريره من حدود القيود لراحة كل قوم، ولمجد الإنسان أينما كان، ومن أي جنس كان "4".
الرؤية الوطنية في الشعر العماني الحديث: ـ
بعد هذا العرض الموجز للتيارات الوطنية في الشعر العربي قديما وحديثا ..
ترى .. أين يقف تيار الشعر الوطني العماني من هذه التيارات؟ أستطيع أن أقول ـ على ضوء ما قرأته من ذلك الشعر: إن الرؤية الوطنية في ذلك الشعر لا تنفصل بحال من الأحوال عن الرؤية الإسلامية، إنما يمتزجان ويتعانقان، ويرتبطان برباط وثيق، فالوطن كما تصوره الشعراء العمانيون المحدثون لا يعني حدودا إقليمية ضيقة، وإنما ينفتح على آفاق العالم الإسلامي كله، وعلى قضاياه وأحداثه، ومبادئه وقيمه، وماضيه وحاضره ومستقبله، بحيث تصبح (عمان) والإسلام أشبه بوجهين لعملة واحدة …
1 ـ انظر الوعي القومي ـ قسطنطين زريق ـ (بيروت ـ مطبعة الاتحاد ـ 1940 ـ ص 221)
2 ـ انظر فيض الخاطر ج 3 ص 134، 135
3 ـ " دمعة وابتسامة " ص 87
4 ـ ميخائيل نعيمة، الأوثان، ص 48 ـ وانظر: القيم الروحية في الشعر العربي قديمه وحديثه ـ لثريا ملحس ـ ص 312 وما بعدها ـ