دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٦١

وهكذا نجد (مجنون بن عمار) يعاني لونا من الغربة الروحية، والذهول الدائم والانفصال عن العالم، حيث كان ـ كان يروي صاحب الأغاني ـ يهيم شاردا تائها في الفيافي والبراري مع الوحش، لا يأكل إلا ما تنبت الحقول من بقل، ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، حتى طال شعر رأسه وجسده، وألفته الظباء والوحوش، وأصبحت لا تنفر منه "1" .. !

أما المصدر الآخر لتيار الغربة المرتبطة بالحب، فهو التيار الرومانتيكي، ذلك لأن الرومانتيكيين حين يتحدثون عن حبهم يمتزجون بالطبيعة، ويتمنون الموت، ويعانقون الغربة، ويأنسون إلى العزلة، فحين نقرأ قصيدة (البحيرة ـ le lac ) للامرتين، نجد شاعرا، متوحدا مع الطبيعة، متعشقا للفناء والأبدية، مغتربا في زمانه ومكانه … ! يقول (لامرتين): " وهكذا نظل مندفعين نحو شطآن جديدة نضرب في ليل الأبد إلى غير عودة، أفلا نستطيع أبدا فوق محيط السنين أن نرسي القلاع يوميا "2" .. !.

وهذا الاتجاه الذي تمتزج فيه الغربة بالطبيعة والحب والموت يبدو في قصائد أخرى له منها: " العزلة " و " الوادي " و " الشاعر يموت " "3".

ولكن مشكلة الغربة عند " هلال العامري " ـ على الرغم من أننا نجد فيها ظلالا حزينة يائسة متأثرة بالتيارين السابقين ـ فإننا نجد فيها أحيانا أخرى ظلالا جديدة، حيث نلمح في تجربته، تجربة الغربة، استمرارية الأمل في الخروج من دائرة الغربة التي تحاصر الشطآن والموانئ، على شراعٍ سِحْرِي، هو شراع الحب ـ وذلك على الرغم من استمرارية عوامل الإحباط والبَيْنِ والرحيل، ولعل من صور الحب التي أعجبتني في ديوانه، تلك الصورة التي يعمق فيها مضمون الحب ويتسع ليقترب من إشراقات الحب الصوفي .. أو الحب الكوني الشامل .. البعيد عن إثارات الغريزة، والجوانب الحسية، ومن قصائده التي تمثل ذلك الاتجاه قصيدة بعنوان: " تهاجر عيناك بأخيلتي " "4".


1 ـ الأغاني، ج 2، ص 40 وما بعدها

2) Michel berveiller ، L’œuvre de L’amartine P 22 (Hachette) Paris 1952

3 ـ انظر " تيارات معاصرة في الشعر الجاهلي ـ الفصل الثالث ـ مشكلة الموت ـ ص 254 وما بعدها للدكتور / سعد دعيبس

4 ـ من قصائد ديوانه الأول (هودج الغربة) ص 9

٦١ / ١٣٢