دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٦٢ففي هذه القصيدة، نلمح شاعرا يعاني من مأساة التمزق بين: التوحد عبر اللقاء، والانشطار عبر أعاصير الغربة والرحيل، إنه يعانق في أعماقه حبا تُلغى فيه الثنائية بين الحبيب وحبيبته، ويتم فيه التوحد بينهما .. بل يتم فيه أيضا التوحد بينهما وبين الطبيعة .. ثم نرى هذا الحب ينتهي توحده والتحامه .. فجأة بالانشطار والتفتت، وهنا .. عنصر (التراجيديا) أو المأساة .. !
والشاعر يمهد لصور التوحد والالتحام بهذه الصورة في قوله (يا من تحيا ضمني) ثم يفرع من هذه الصورة الشاملة صورا جزئية أخرى للتوحد، حيث نرى الحبيبة تعيش في خياله، وتقاسمه التفكير، ويرى سهره وأحزانه ينعكس كل منهما في عينيها .. ، ويراها معه في ليالي الغربة تحمل أمتعته، وحين تسافر عيناها، فهما يسافران في عينيه، وهي تشد الرحال في متاهات الغربة لا تعبأ بالأعاصير والطوفان، ولنتأمل الأبيات التي تقدم لنا صور التوحد والالتحام:
يا من تحيا ضِمْنِي
وأعيشُ مُسافرْ
يا من تجتاحُ مُخَيِّلتِي
وتُقاسِمُنِي التَّفْكِيرْ
يا من بانَ بِمُقْلَتِهَا
سَهَرِي وصَدَى الأحزانْ
يا من تحمِلُ أَمْتِعَتِي
تحت الجوِّ الماطِرْ
قَدَرِي إن شِئْتِ
وما قدري إلا أنتِ
فكيف أُكَابِرْ
يرتعِشُ الليلُ بِعَيْنَيْكِ
يُؤَرِّقُنِي
ويزيدُ الغُرْبَةَ والأَشْجانْ
وأرى عَيْنَكِ
في عيْنَيَّ .. تُسَافِرْ .. !