دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٦٧لا يتناولها بأسلوب خطابي صارخ، كما يفعل بعض الشعراء الخطابيين، وإنما يتناولها معتمدا على مقومات فن الشعر ـ كما ينبغي أن يكون ـ إنه يقدمها لنا في قالب فني يعتمد على البناء بالصور والرمز والأسطورة والبناء الدرامي، والإيقاع الهامس … ، يمكن أن تجد هذه المقومات واضحة في قصيدته (لؤلؤة الغوص) "1" فهو يلجأ فيها إلى الرمز والصورة والبناء الدرامي، إذ يقيم لنا بناء فنيا مترابطا من الصور والرموز والأحداث التي تنمو شيئا فشيئا، إلى أن تنتهي إلى ذروة التعقيد … إلى ذروة المأساة، حيث يصور لنا الشاعر مجتمعا ما .. في مكان ما .. يحيط به ظلام الليل الممتد كأمواج البحر، والصمت الرهيب الذي يهْذِي .. والخائفون من الناس يأوون إلى بيوتهم وقد حاصرتهم الأحزان، وأنين الليلُ، وكوابيس الأحلام .. !
وعند طلوع الفجر يبدو شراع في البحر … والصمت يخيم على القبور، وجميع الناس منتظرون على الشاطئ .. وبأيديهم قبضةُ صبْرٍ، ينتظرون الأمل المرتقب القادم من أعماق البحر … وعيونهم مشدودة إلى الشراع القادم، وكل منهم يختلج في أعماقه الدعاء والتضرع إلى الله بتحقيق الأمل على أيدي هؤلاء الغواصين القادمين من البحر، ولكنهم في النهاية مُحَاصَرُونَ بالإحباط واليأس … فالغواصون يموتون بقاع البحر، والمنتظرون على الشاطئ … ! يموتون أيضا موتا معنويا تحت وطأة الوَهْمِ والخُرافة .. وانتظار ما لا يأتي .. !
إن القصيدة غنية بالإيحاء ات .. ويمكن أن تقادم للمتذوق أكثر من رؤية، وأكثر من تفسير، وهذه سِمَةٌ من سمات الشعر الرائع، ورؤيتي أنا لهذه اللحظات النفسية الدرامية في هذه القصيدة، أنا ـ في تصوري ـ تومئ إلى قضية اجتماعية، ويمكن أن نضع لهذه اللحظات الدرامية هذا العنوان (الشعوب ولؤلؤة الوهم) نعم .. الشعوب حين تركن إلى السلبية في فترة من فترات تاريخها، وتعلق آمالها على وهم مجهول .. على خبطة حظ عشوائية قد تأتي .. وقد تأتي .. الشعوب حين تنسب مع عالم الواقع .. أو .. تهرب من مواجهته، وتؤثر البحث عن مدن مثالية حالمة .. (يوتوبيات فاضلة) وتستسلم لوهم مجهول .. وأحلام غامضة .. !
1 ـ ص 13 من ديوانه (هودج الغربة)