دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٧٦

(ب) وإذا كنا قد لاحظنا ميل موهبة الشاعر إلى استخدام الرموز والأساطير في تجسيد فكرة معينة، كما يتضح ذلك في قصيدته: (لؤلؤة الغوص) و (قدوم المارد) وغيرهما، فإن مما يكمل هذه الأدوات التشكيلية في شعره، موهبته في التعبير بالصورة، وقيام تشكيله الفني في القصيدة على البناء بالصور، وقد تحدثنا قبل ذلك عن نموذج من صوره التي نرى فيها التحاما بين الإنسان والكون، وتمزقا في الوقت نفسه بين الغربة والوطن، والوصل والفراق، والأمل واليأس، تحدثنا عن هذا النموذج من التصوير في تناولنا المفصل لقصيدته (تهاجر عيناك بأخيلتي) وقصيدته (جرح الأمس).

وهذا التوحد والاتحام بين الإنسان والكون، أو بين الإنسان والطبيعة في صوره، نلمحه أيضا في تصويره لسحر العيون، حيث نرى جمال هذه العيون، يتوحد مع جمال الطبيعة في مثل هذه الصورة:

عيناك .. يا مناي

حزينة .. كحزني

كليل باريس في الشتاء

كالقمر الحالم في المساء

كالطير الصاعد للسماء "1"

وهذا الالتحام بين جمال البشر وجمال الطبيعة في تصوير سحر العيون، في هذه الأبيات يذكرنا باللوحة الجميلة التي رسمها الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في مطلع قصيدته (أنشودة المطر):

عيناك .. غابتا نخيل .. ساعة السحر

أو .. شرفتان .. راح ينأى عنهما القمر!

ولعل أهم ما يميز الصورة الفنية في شعر (هلال العامري) أنها لا تدخل في إطار الصورة الجزئية القائمة على تشبيهات سريعة، أو استعارات لا تكاد تبدأ حتى تنتهي، ولا يبدو فيها شيء من العمق الساحر البعيد الغور، وإنما تمتاز الصورة في شعره بأنها تمتد امتدادا جميلا من بداية القصيدة إلى نهايتها، هذا ما رأيناه في قصيدة (تهاجر عيناك بأخيلتي) و (جرح الأمس) وهذا


1 ـ من قصيدة (لوحة بريشة الشاعر) ص 44 من " قطرة في زمن العطش "

٧٦ / ١٣٢