دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٨٧اليائس، والعزلة الكئيبة، وهذا الملمح العذري، يعتبر أيضا من الملامح المميزة لتجربة الحب في الأدب الرومانتيكي، وقد عرف هذا الملمح في ذلك الأدب بما يسمى (مرض العصر) ويعنون به: تلك الحالة النفسية التي تتولد من عجز الفرد عن التوفيق بين القدرة والأمل اللذين يتعارضان، فيشقى الفرد بهذا التعارض، وإنه وإن يكن هذا التعارض حقيقة إنسانية عامة تصدق في كافة العصور، إلا أنه مما لا شك فيه، أنه قد كان أشد حدة، وكانت النفوس أعمق إحساسا به في أعقاب الثورة الفرنسية، وما تلاها من أحداث، عنها في أي عصر آخر، حتى لنرى الرومانسيين أنفسهم بأنه قد أصبح مرضا لعصرهم، استعذبته نفوسهم التي كانت ترى أن أجمل الأغاني، ما كان أعمقها يأسا، وأشدها بكاء وحزنا "1" … !
وتمتاز الشخصية الرومانسية بالحزن الغالب على النفس في كل حال، دون وجود سبب ظاهر لهذا الحزن، ولهذا يعتصم الرومانسيون من الواقع بالانطواء على نفوسهم، ونُشدان مثَلٍ أعلى لهم هو: الجمال، والرومانتيكي غريب في عصره بشعوره وإحساسه، لأنه يحس بالتفرد والعبقرية، ولذا فالألم والدموع علاج لنفوسهم المرهفة بالتفرد، إنهم يحبون الحياة الغامضة، ويضيقون ذرعا بالأشياء الثابتة المستقرة، ومن هنا فهم مغتربون زمانيا ومكانيا "2" .. !
ويبدو أن تجارب الحب التي تركت بصماتها الواضحة في تاريخ الأدب، كانت تتسم بالشقاء والتعاسة والبؤس، إنها تلك التجارب التي لا تعرف النهايات السعيدة، بل تحالف المآسي وتقترن بالموت والدمار والخراب " أما الحب المتوج بالسعادة المستمرة، والاكتفاء الدائم، إن كان له ثمة وجود على الإطلاق ـ فإنه لم يلهم، إلا فيما ندر، أحدا من كبار الكتاب، أو عباقرة الشعراء والأدباء "3" ".
1 ـ انظر: محاضرات في الأدب ومذاهبه ـ دكتور محمد مندور ص 45
2 ـ انظر: الرومانتيكية ـ دكتور محمد غنيمي هلال ـ ص 36 ـ ص 48
3 ـ في الحب والحب العذري ـ د. صادق جلال العظم ص 20