دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٩٤الحزينة الشاحبة، ولذلك نجد أن صورة الحمامة الباكية من الصور المميزة للغزل العذري في الشعر العربي، في كل عصوره، يقول عنترة "1": ـ
وقد غنى على الأغصان طيرٌ **** بصوبِ حنينه يشفي الغليلاَ
بكى فأعرتهُ أجفانَ عيني **** وناحَ فَزَاد إعْوَالي عَوِيلاَ
فقلتُ لهُ جرحتَ صميمَ قلبِي **** وأبدى نوحُكَ الداء الدخيلاَ
وما أبقيتَ في جفني دموعا **** ولا جسما أعيش به نحيلاَ
ولا أبقى لي الهجران صبرا **** لكَيْ ألقى المنازلَ والطلولاَ
ويقول أيضا "2": ـ
وما شاق قلبي في الدجى غير طائر **** ينوح على غصن رطيبٍ من الرَّنْدِ
بهِ مثلُ ما بي يُخفي من الجوى **** كمثل الذي أُخْفِي ويُبْدي الذي أُبدي!
ويقول (يزيد بن الطثرية) "2":
وأسلمني الباكون إلى حمامة **** مطوقة قد صانَعَتْ ما أُصانِعُ
إذا نحنُ أنْفَدْنَا الدموعَ عشيةً **** فموعدنا قرنٌ من الشمس طالعُ .. !
و (عروة بن حزام) حين يصور لنا خفقان قلبه العاشق، واضطراب حالته النفسية، يستعيرا طائرا وديعا من عالم الطبيعة، ويعلقه على كبده، ليجسم لنا في صورة فنية، مأساة ذهوله واضطرابه "4":
وعينانِ ما أُوفيتُ نشزاً فتنظُرَا **** بمَأْقَيْهمَا إِلاَّ هما تَكفَانِ .. !
كأَنَّ قَطاةً عُلِّقَتْ بجَناحِها **** عَلى كَبدِي .. من شِدَّة الخَفَقَانِ .. !
ويلتقي في هذه الظاهرة الفنية أيضا، الرومانسيون في تصويرهم لتجربة الحب في أشعارهم، فالشاعر الرومانسي، يمزج عشقه للطبيعة، بعشقه
1 ـ ديوان عنترة ـ ص 185 وما بعدها (طبعة دار صادر ـ بيروت 1956)
2 ـ المرجع السابق ص 132
3 ـ كتاب " الزهرة " لأبي بكر محمد بن سليمان الأصفهاني ـ تحقيق الدكتور لويس نيكل البوهيمي ـ نشر المعهد الشرقي بجامعة شكاغو 1932 م ـ ص 243
4 ـ الشعر والشعراء ـ لابن قتيبة ـ ج 2 ص 626 ـ تحقيق وشرح أحمد شاكر ـ دار المعارف بالقاهرة 1966 م.