دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٩٦يتخذون من البحر وطنا هروبيا، يلوذون به ـ أحيانا ـ من فساد المجتمع، وهؤلاء الشعراء يلوذون بكل الرموز والصور التي تبعدهم عن الانتماء للواقع، بكل ما يساعدهم على الهروب من الانتماء للأرض والمجتمع، وذلك فهم يرون ـ مثلا ـ في البحر القلق الثائر، واغترابهم فيه، وتشردهم الدائم بين أمواجه، مهربا ووطنا آخر ينجيهم من المنفى الرهيب الذي يعانونه في وطنهم المادي "1" .. !
وهكذا يصبح البحر وطنهم الحبيب، وملاذهم، ومهربهم من ظلم الناس، وغدرهم، على الرغم من عواصفه وأنوائه، وأمواجه وأهواله، ولذلك نجدهم يكثرون في اغترابهم الهارب إلى عوالم الطبيعة والحب والموت، من صور البحر الهائج، والزورق الحائر، والملاح الشارد، والمساء الحالم الحزين، وذلك لأن هذه الصور الحزينة الشاحبة، تنسجم مع نفسيتهم الحزينة الهاربة من عقم المجتمع وفساده، ولعل رمز " البحر " في شعر الدكتور إبراهيم ناجي، أوضح مثال لاتخاذ البحر وطنا ومهربا، وذلك راجع لإحساسه الكثيف بضياعه في المجتمع، وضياعه أيضا في عالم الحب "2" .. ! ومن هنا يكثر في شعره تلك الرموز: الزورق الغريق ـ الأمواج الثائرة ـ العواصف.
إن البحر في شعر ناجي ـ في كثير من الأحيان ـ هو وطنه الذي ينسيه غربته في دنيا البشر:
يا نسيم البحر ريانَ بطيب **** ما الذي تحمل من عطر الحبيبِ؟
صافحتني من نواحيك يدٌ **** تمسح الدمعةَ عن جفن الغريبِ .. !
وتلقَّاني رشاشٌ كالبكا ***** وهديرٌ مثلُ موصول النحيبِ "3" .. !
والبحر يرد له إنسانيته المحطمة في عالم الناس، وحين يندمج في أمواجه، يحس أنه في حضن أمه الطبيعة، فلا يرى في الموت نهاية، بل اندماجا في
1 ـ انظر: حوار مع قضايا الشعر المعاصر ـ ص 80 ـ دكتور سعد دعيبس
2 ـ انظر: مقدمة الدكتور أحمد هيكل لديوان ناجي ص 31، وانظر: الغزل في الشعر العربي الحديث ص 513 وما بعدها ـ دكتور سعد دعيبس، وانظر: شعراء مجددون ـ ص 9، 10 ـ مصطفى السحرتي
3 ـ ديوان ناجي ص 80 ـ مقطوعة بعنوان " يا نسيم البحر "