حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ١٠٦نجده قد حدد علوم شيخه وعلوم الاعتزال، وهي: علوم العربية، وقد
كنى عنها بإعراب الخليل، والعلوم الدينية وقد كنى عنها بفقه ابن إدريس، وعلوم الفلسفة اليونانية و قد كنى عنها بما حوى سقراط والإسكندر، على أنه من المهم هنا القول إن ما يقصده بـ (الإسكندر) ليس ذلك القائد المقدوني الشهير، فذلك ليس له أية رابطة بعلوم بافضل، وإنما قصد به (الإسكندر الأفروديسي) أحد الشراح الأول لفلسفة أرسطو وعنه وصلت تلك الفلسفة إلى الثقافة العربية، والعرب يقدرون فضله في ذلك. كما أنه من المهم هنا القول إنّ اشتغال الإمام بافضل ومعه المجمع العلمي الحضرمي بالعلوم الفلسفية، ليس شأنا اعتقاديا سنيا، ولعلنا نجد أوضح صورة لموقف أهل السنة من تلك العلوم، فيما يقوله الفقيه والأصولي ابن الصلاح (557 هـ - 643 هـ) في فتاويه، حيث يقول: ((إن الفلسفة أس السفه والانحلال ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت عينه عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن يلبس بها تعليما وتعلما قادته الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر
هؤلاء المشاميم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد وعقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتجمد نارهم و تمحى آثارهم)) (4).
هذه النظرة السنية للعلوم الفلسفية وعلوم الاعتزال، هي نفسها التي احتواها قرار السلطان صلاح الدين الأيوبي القاضي بالتنكيل بمن يقول بخلق
القرآن، وهي أساس الغزو الأيوبي لحضرموت في القرن السادس الهجري. وفي البيت الثالث قبل الأخير، نجده يفتخر بجهاد شيخه في سبيل الدفاع
عن الدين الحنيف، وذلك تعبير (مذهبي) للدلالة على دوره الرئيس في نشر
(106)