حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ١١٣يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (آل عمران (189 - 191) وفي البيت الرابع يدعونا إلى الاستماع إلى شاهد العقل والفكر واعتباره
المفتاح إلى بحور المعارف والعلوم المؤدية إلى توحيد الخالق الصانع تعالى
وفي البيتين الخامس والسادس يستشهد شيخنا على قوله بتقديم العقل على النقل بحديث للرسول الكريم يقول مضمونه: إن تفكير الإنسان المؤمن ساعة واحدة في مخلوقات الله وعظمة صنعة تساوي عبادة سنة كاملة، كما نجد في وصايا الإمام بافضل نفس الدعوة إلى تقديم العقل على النقل، حيث يقول: (وإذا تقرر أنه لابد للعبد من العلم والعبادة، فالعلم أولى بالتقديم ((17) وبدءا من
(17)
البيت السابع يشرع الإمام بافضل في رصد مشاهده في الاستدلال بالخلق على الخالق، وإثبات وجوده تعالي وعظيم صنعه ودقة تدبيره ولطفه.
لسنا في حاجة إلى شرح باقي أبيات القصيدة، فهي غنية عن أي شرح لوضوح أفكارها ومدلولها في الاستدلال بالخلق على الخالق، بل نرى أن نترك القارئ الكريم (يتأمل معانيها ومعارفها وعلومها الغزيرة الوفيرة، ليدرك بنفسه ذلك المستوى الفكري والعلمي و اللغوي الرفيع الذي وصلت إلية علوم المعتزلة في حضرموت في القرن السادس الهجري، ذلك أنه إذا كان علماء المعتزلة حى نهاية القرن الرابع الهجري قد أتقنوا نثرا أدب الاستدلال بالخلق على الخالق، فإنّ معتزلة حضرموت في القرن السادس الهجري، كانوا قد تجاوزوا ذلك إلى الشعر واستطاعوا ليس تطويع ذلك الموضوع العقلي الجاف للغة الشعر فحسب، بل استطاعوا إغناءه بالابحاث العلمية الناضجة بلغة سهلة عذبة رقيقة، فجاءت قصيدة الإمام بافضل لتكون الوثيقة الوحيدة من نوعها حسب علمي ـ والتي -
-
يمكن أن تعطي صورة واضحة عن ذلك النمط الشعري الذي تتجلى فيه شخصية
(113)