حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ١١٨- العقل مصدر التكليف:
سبق الحديث عن مدى أهمية العقل في الفكر المعتزلي وتقديمه على النقل وجعله مدار التكليف، وما كان لشيخنا بافضل ليغفل عن القول بذلك في قصيدته، لهذا وجدناه يقول في ذلك:
وفي القلب فكر كيف صار ممنعا ومحتجبا في الصدر كالملك في القصر ومهما ترمه التماس تحسه بروحك من تلك البخارات في السحر وسمعك والأبصار والشم والمذاق واللمس دانت منه للنهي والأمر وسخرها الرحمن طوعا لحكمه فيمتهن الأعضاء بالرغم والصغر وهاهو كالأمير مصرف بتدبير ما يأتيه بالطي و النشر
وقد سطرت فيه العلوم بقدرة الإلة، بلا هذا المداد ولا الحـ فإن هو زكي النفس الله خشية فسوف يجازي منه بالعفو والغفر
حديث شيخنا في الأبيات السابقة عن (القلب (باعتباره مصدر التفكير والتعقل، إذ اعتقد علماء العصر الوسيط ذلك، ولم يتوصلوا إلى أن مصدر العلم والمعرفة والتعقل إنّما هو (المخ (كما هو معلوم اليوم، ولهذا ذهب شيخنا إلى ما ذهبت إليه علوم عصره، وهو هنا يتحدث عن القلب باعتباره (العقل)، فهو أنه يري من خلال موقعه في الصدر ممنعا محجبا، فإنّه في مكانة الملك في قصره، لا يراه الناس ولكنهم ينفذون مشيئته وأوامره و رغباته، وكذلك العقل،، فكل ملكات الإنسان من السمع والأبصار والشم والمذاق واللمس، كلها دانت الحكمه، أي إنّ شيخنا يرى أنّ الإرادة الإنسانية مصدرها العقل الإنساني نفسه وليس أي مصدر خارجي، وبهذا يكون الإنسان حرا في اختيار أفعاله الـ تصدر عن عقله وفكره، ذلك أنّ العقل هو المصرف والمدبر، وبالتالي هو
(118)