حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ١٢٩ما تبقى من الوصية وهو أكثر من نصفها، فهو في أمور العبادة وأنواعها من قراءة وذكر وصلاة واستغفار ودعاء، أي في الأمور المقربة إلى الله تعالى وهي التي تشغل كل وقت الزاهد وليس لديه وقت لسواها.
ومما ذكرناه واستخلصناه عن شخصية شيخ الإسلام بافضل، سواء من قصيدة الإمام القلعي فيه، أو من قصيدته الفكرية أو من وصيته هذه، فإن الصورة التي ارتسمت أمامنا عنه، لا تخرج قيد أنملة عن الصورة) التي تستدعي انتباه الباحث في تاريخ المعتزلة، وهي تلك الضخامة في شخصياتهم، وذلك السمو في صفاتهم، فقد جمعوا في أنفسهم بين التبحر في العلم والشغف بالفلسفة والكلف بالأدب والتحلي بالفضائل والانصراف للعبادة والزهد في متاع الدنيا، فكانوا في الدولة الإسلامية طبقة مثقفة ثقافة عالية ومشكاة باعثة نور العرفان وحماسة الإيمان، يدلنا على ذلك إجماع أكثر مخالفيهم من علماء السنة ومؤرخيها على
(29)
(30)
ذلك
تقدير مقامهم واحترام ذواتهم). ولقد (كانوا في مجال التمسك بالدين ومحافظتهم على العبادات مضرب المثل ومثار الإعجاب … وكان أكثر المعتزلة يميلون إلى الزهد في الحياة والعيش عيشة الفقر والتقشف لأن همهم كان منصرفا إلى خدمة العلم والدفاع عن مبدأ التوحيد، لا إلى العمل، وقد شاع عنهم حتى أطلق على المعتزلة البغداديين اسم (نساك بغداد) وهكذا لقد وجدنا أنفسنا مع شخصية شيخ الإسلام بافضل، أمام رأس معتزلي كبير وناضج، وترتسم في فكره وبكل وضوح كل صفات رؤوس الاعتزال الكبار، كل ذلك من خلال قصيدته الفكرية وإحدى وصاياه، فكيف بنا لو أبقت الأيام كل تراث هذا العلم الشامخ؟
لقد جاء ما تبقى من تراث هذا الرأس المعتزلي الكبير ليغطي جزء من
الفراغ في المكتبة العربية الإسلامية في التراث المعتزلي، فلقد كانت القصيدة
(129)