حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢ولست بصدد الخوض في مسائل الخلاف العقائدي بين الطرفين، ولكني بصدد التذكير بمسألة هامة في التاريخ الإسلامي الوسيط، وكانت نتاجا مباشرا
لذلك الخلاف، وتلك المسألة ما أطلق عليها المؤرخون: (محنة خلق القرآن)
هي
التي امتحن فيها علماء السنة في عهد خلفاء بني العباس الذين تبنوا مذهب الاعتزال، ولقد كان من أشهر أولئك العلماء الإمام أحمد بن حنبل. لقد كانت تلك المحنة أو الامتحان للعلماء السنة بأن طلب منهم القول بأن القرآن مخلوق محدث وليس قديما، فمن قال إنه قديم أو لم يقل إنّه مخلوق محدث، فهو كافر في اعتقاده يستحق العذاب والقتل، ذلك أنّ المعتزلة يعتقدون أن الذين يقولون إن القرآن قديم غير مخلوق، إنما هم ملحدون مشبهون، ملحدون مشبهون، لأنهم يصفون الله وفعله
بالصفة التي هي الله وحده وهي صفة القدم
ولقد اقتصر ذلك الامتحان أو المحنة على القضاة والمحدثين وسائر العلماء من أهل السنة، و لم يتعرضوا للعامة لأنهم لا نظر لهم و لا استدلال، أما العلماء فهم أرباب النظر والاستدلال وفي مقدورهم أن يفرقوا بين الله وخلقه، ويدركوا أن القرآن لا يمكن إلا أن يكون مخلوقا. أما وقد أصروا على القول بأن القرآن قديم غير مخلوق، فقد اعتقد المأمون ومن خلفه من معتزلة العباس أنهم كاذبون معاندون، فشددوا عليهم وتناولوهم بالأذى والتنكيل
بني
إن مسائل الخلاف العقائدي بين المعتزلة وأهل السنة ظلت حية في الفكر الإسلامي منذ أن ظهرت في وقت مبكر من ظهور مذهب الاعتزال في بداية القرن الثاني الهجري وازدادت حدة عند ظهور المذهب الأشعري في بداية القرن
الرابع
، واستمرت تلك الحدة بعد ذلك طويلا، ففي سنة 408 هـ استتاب الخليفة القادر الشيعة والمعتزلة عن المقالات المخالفة لأهل السنة، ونهاهم عن
(202)