حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧في تريم القرن السادس الهجري، سادت فيها تلك الأجواء العلمية العقلانية،
في مناخ علمي كثيف، بلغ علماؤه ثلاثمائه عالم وفقيه ومفتي، منهم عدد كبير يشتغل بالتأليف
هذه الأجواء العلمية تفصح عنها القصيدة الفكرية لشيخ الإسلام بافضل، تلك القصيدة التي رأيناها ومن أول أبياتها تقول صراحة بأقدمية العقل على النقل، وأن العقل هو مفتاح العلوم والمعارف، وفيها وجدنا شيخنا بافضل يأخذ حتى مسألة التوحيد كمسألة منطقية استدلالية، تعتمد على النظر العقلي في مخلوقاته تعالى، كدليل على وجوده وتفرده بالقدم والخلق، كما رأيناه، في وصيته يقول: إذا تقرر أنه لا بد للعبد من العلم والعبادة، فالعلم أولى بالتقديم. وفي هذا القول للإمام بافضل كل الوضوح على تقديم العقل على النقل، وهي القاعدة التي تبنى عليها الحياة العلمية العقلانية. وهكذا، فإن الأجواء العلمية في تريم حينها تتعارض مع أي ادعاء بأي قدر من النشاط الصوفي النظري، ولكن، فقد كانت تريم وحضرموت عامة تعج بنشاط زهدي وعبادي مكثف، وهو مشهور عن المعتزلة والأباضية منذ بواكير ظهورهم في التاريخ
بالمقابل
الإسلامي
وإذن، فقد كان المجمع العلمي المعتزلي التريمي في القرن السادس، يزخر بحركة علمية لا مثيل معاصر لها في العالم الإسلامي، من حيث اعتمادها على مذهب الاعتزال، ومن حيث كثافة الوجود العلمي فيها وغزارة إنتاجه العلمي، ولقد لا حظ الدكتور الدجيلي) أنّ الحركة الفكرية في اليمن في القرن السادس الهجري، قد بلغت درجة متقدمة، كما حدثت هجرة معاكسة، أي وصول جماعات بشرية متعددة إلى اليمن، ساعدت في هذه الحركة الفكرية، ويرى أيضا أنه في هذا القرن ظهرت على الساحة اليمنية تيارات فكرية، أبرزها الفكر
المعتزلي الذي يؤمن بسلطان العقل ويدعو إلى التفلسف والجدل (41).
(207)