حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨أما
في العالم الإسلامي فقد بلغت الحالة إلى الدرجة التي يكون فيها الاشتغال بالعلوم الفلسفية وعلم الكلام هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، بين الإسلام والزندقة، ولنا في قرار السلطان صلاح الدين الأيوبي بمنع الخوض في علم
-
الكلام، وفي ما تعرض له الحكم بن عبد السلام سنة ـ 588 هـ، عندما اتهم من قبل العامة بالاعتزال، وكيف شهر به وأحرقت كتبه ثم سجن لمدة عام كامل، في كل ذلك خير دليل على ما وصلت إليه الامور في محاربة تلك العلوم في المجتمعات التي غلب عليها أهل السنة، إضافة إلى النشاط المنظم من قبل الدولة السلجوقية (العباسية (والدولة الأيوبية المعادي لتلك العلوم أيما عداء. إن اشتغال المجمع العلمي التريمي في القرن السادس بالعلوم الفلسفية يحتل أهمية خاصة من حيث مدلولها المذهبي المعتزلي، ومن حيث حيوية الحركة العلمية
ونشاطها الإبداعي لدينا أقوال صريحة على اشتغال ذلك المجمع العلمي بالعلوم الفلسفية، هذه الأقوال لم تأت من قبل مؤرخين معاصرين أو متأخرين، ولكنها تصريحات رجال ذلك المجمع أنفسهم، فلقد وجدنا الإمام القلعي يفتخر بامتلاك شيخه بافضل ناصية ماحوى سقراط والإسكندر (وهو ما قصد به الإمام القلعي علوم الفلسفة اليونانية
وهذا الإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب التريمي (ت 611 هـ) يقول
في قصيدة يصف فيه موطنه مدينة تريم:
بلاد طاب مسكنها مباركة لها رب رحيم
فلو نظرت فلاسفة إليها لقالوا جنة الدنيا تريم
و من البيتين أعلاه للإمام ابن أبي الحب، نجده يقول بقدرة الفلسفة والفلاسفة على إعطاء الصورة الأعمق والأشمل إحاطة للحقيقة، ولولا قناعة
(208)