حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩الإمام بقدرة الفلسفة تلك لما اعتبر قول الفلاسفة (جنة الدنيا تريم) حجة على أفضلية تريم على باقي مدن الدنيا، هذا الاعتداد بالفلسفة والفلاسفة لن يأتي إلاّ عن عقلية معتزلية، محبة للعلوم الفلسفية لا كارهة لها
وفي
وحقيقة العلاقة بين الاعتزال والفلسفة، هي أن المعتزلة وقد عهدوا على أنفسهم الدفاع عن العقيدة الإسلامية والدعوة إليها لدى أهل الأديان الأخرى، أثناء جدالهم ومناظراتهم معهم وجدوا أن أهل تلك الأديان بحكم تقدمهم الحضاري لهم اليد الطولى والباع الطويل في الفلسفة والعلوم العقلية، وبالتالي كانوا أقدر عملياً على دحض حجج وبراهين علماء الاعتزال المعتمدة على الكتاب والسنة، أي النقل، وهو الأمر الذي لا يعترف به الطرف الآخر ولا يقره، لأنه لا يؤمن به، ولهذا رأى المعتزلة أن أمر الدعوة والدفاع عن عقيدة الإسلام، لا يستقيم مع تلك الأقوام، إلا من خلال مجادلتهم ومناظرتهم بسلاحهم، أي الفلسفة وعلومها، وهكذا أقبل أهل الاعتزال على الفلسفة والعلوم العقلية وأتقنوها وأصبحت مكونا أساسيا من ثقافتهم، ولكن ليس لذاتها، بل لتكون سلاحا لنشر الدعوة ومقارعة الخصوم، وبهذا فقد (سد المعتزلة الطريق أمام ضعاف العقيدة الذين بهرهم بريق الفلسفة، و لم يستطيعوا فهمها، حتى لا يندفعوا في تيار المروق والزندقة) (42)، وبهذا كان طبيعيا أن تكون الفلسفة وعلومها مكونا أساسيا في ثقافة معتزلة حضرموت، مثل الإمام سالم
بافضل والإمام محمد بن على القلعي والإمام محمد بن أحمد بن أبي الحب.
غير
أن اشتغال المجمع العلمي التريمي المعتزلي بالعلوم الفلسفية، يعني أيضا أنّ العلوم الكلامية كانت في أوج مجدها وازدهارها، ذلك أن تلك العلوم
تتخذ
من الفلسفة قاعدة لها، ومنها يستنبط علماء الكلام قضاياهم.
(209)