حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢١١العباد، أي حرية العبد في اختيار أفعاله، ولهذا فقد بذل المعتزلة جهودا جبارة في مقاومة فكر (الجبر) الذي اعتبروه قمة الشرك والكفر بالله، ذلك أنهم رأوا أنّ
القول بالجبر يعني أن أفعال العباد مقدرة عليهم منه تعالى، بما فيها من بغي وشرور ومفاسد ومظالم، وبالتالي نسبة تلك القبائح إلى الله تعالى وذلك بعينه الكفر البواح لدى أهل الاعتزال، ذلك أنهم رأوا أن مريد الخير خير، وأن مريد
الشر شرّير ومريد العدل عادل ومريد الظلم ظالم ومعنى هذا أن إرادة الله لو كانت متعلقة بكل أفعال العباد، خيرها وشرها، لكان الله موصوفا بالخيرية والشرية، والعدل والظلم وذلك قبيح في حقه جل شأنه تعالى، ولهذا لم يبق إلا أن يكون - بلغة الإمام أبي الحب.
-
خيراً كنهه عقلاً وفكراً
وقوله (عقلا وفكرا (إشارة إلى الأدلة والبراهين العقلية والفكرية الدالة
على (خيريته (تعالى، وهي على ماذكرناها أعلاه، والمعتمدة لديهم، من دون الأدلة والبراهين النقلية من الكتاب والسنة وهي كثيرة.
وهم إذ يقولون بحرية العبد في اختيار أفعاله، يرون أنه تعالى لا يفعل إلا الخير، ومحال أن يفعل الشر والقبائح، وهذا القول تفرع عنه قولهم بالصلاح والأصلح، ومعناه أن أفعاله تعالى لا تخلو من الصلاح والخير، وأنه تعالى لا يفعل بعباده إلا ما منه صلاحهم، أي إنه بلغة الإمام أبي الحب أيضا:
وقدر عدله يسراً وعسراً
وهو بلغة الإمام سالم بافضل في قصيدته (الفكرية):
فسبحان هادي الكل منها صلاحه ورازقها من فضله الواسع الوفر
(211)