حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨معتزلة حضرموت والسلطة:
لا شك أن المذهب السابق من حيث السيادة في حضرموت إنما هو المذهب الأباضي، وهو بذلك مذهب حضرموت الأول والأساسي، ثم في القرن الخامس الهجري غلب مذهب الاعتزال على مدن حضر موت الكبرى: تريم، شبام، الشحر، مرباط، واستطاع المعتزلة إقامة إماماتهم فيها، تحت الولاية المعتزلية العامة لآل راشد ولاة تريم، غير أن السؤال الذي ينبري أمامنا هو كيف
تمت الغلبة للاعتزال في تلك المدن. وكيف كانت طبيعة المواجهة بين المذهبين
الأباضي والمعتزلي. ولقد أوضحنا من قبل أن التحول من مذهب عقائدي إلى آخر مخالف له، مسألة ليست سهلة ودونها صعاب كثيرة، ذاتية وموضوعية، ذلك أنّ العقائد الدينية لها في قلوب الناس أثر عميق وعلى نفوسهم لها هيمنة قوية، ليس في الإمكان التحول عنها بسهولة ويسر، ولقد رأينا أن الوجود المعتزلي في حضرموت كان في وقت مبكر من العصر الاباضي، إن لم يكن قد تزامن معه، الأمر الذي يعني أن المعتزلة الحضارم كانوا يقومون بنشر مذهبهم والدعاية له خلال ذلك العهد، بكل ما يملكون من مقدرة علمية وأسلوب رفيع في الجدل
والمناظرة العلمية في مختلف العلوم.
إن تريم في عهدها الأباضي كانت أيضاً قصبة العلم والمعرفة بالنسبة لعموم حضرموت، وعليه تكون مسألة المناظرة والجدل العقائدي والفقهي والسياسي بين علماء المذهبين الأباضي والمعتزلي في تريم حينها، مسألة تفرضها مقتضيات التعايش والاحتكاك اليومي في مجتمع واحد، كما تفرضها مواقع الاتفاق العقائدي بينهما خاصة وإنّ الأباضية) كانوا يقبلون الجدل والأخذ حول
(228)