حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥و إلى تلك البلدان التي انتصرت فيها الدعوة الأباضية وقامت فيها إماماتها وغلبت عليها مذهبيا، اتجهت أنظار دعاة الاعتزال، وفي رأينا أن ذلك كان بسبب التشابك العقائدي بين المذهبين في أغلب القضايا، وبسبب الهدف الجغرافي المشترك، أي البعد عن مراكز القوي للخلافة حتى إذا كان القرن الخامس الهجري، استطاع معتزلة حضرموت إقامة دولة العدل والتوحيد (إمامة المذهب) في مدنها الكبرى، بل ونجح معتزلة حضرموت من غير العرب القادمين إليها من أقطار أخرى، استطاعوا تولي الإمامة في إقليم ظفار، وقد تمثل ذلك في إمامة آل المنجوى العلويين البلخيين
في القرن السادس الهجري كان مجتمع مدن حضرموت يعج بحركة فكرية وعلمية معتزلية لا مثيل لها في بلاد الإسلام، إلى الحد الذي كان في مدينة تريم وحدها ثلاثمائة عالم وفقيه ومفتي، يشتغل أكثرهم بالتأليف يشتغل أكثرهم بالتأليف، ولقد اتضح لنا أن تلك الزحمة العلمية كانت ثمرة زحف علمي معتزلي عليها، من مختلف بلاد الإسلام. وحول تلك الأقوام (العالمة التي كانت تعج بها مساجد حضرموت عامة وتريم خاصة، حدث أن مرض الشيخ العالم يحيى بن سالم بن أكدر (أحد ضحايا الحملة (الأيوبية وغاب عن مسجد آل حاتم الذي كان يلزمه عبادة وتدريساً، فقال فيه تلميده محمد بن علي حاتم:
فاليوم شهر حين غبت وشهرنا من طول مدته علينا عام قد حن مسجدنا لفقدك واشتكى حالاً وإن كثرت به الأقوام
فاسلم لنا يحيى ليحيا ذكرنا وعليك منا في الأزمان سلام (61)
وإذا كانت حضرموت هي ذلك المقصد المتقدم والبارز في الدعوة المعتزلية
منذ عهد مؤسس المذهب واصل
بن
عطا في القرن الثاني الهجري حتى كان ذلك هي سكن العلماء ودار
الزحف العلمي عليها، فإن هذا أن المساجد كانت
يعني
(230)