حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦العلم طوال قرون مديدة، وكلما زاد عدد العلماء في المسجد، كان المسجد أقرب إلى الجامعة العلمية لتدريس علوم الاعتزال لجميع أفراد المجتمع صغارا وكبارا، خاصة وعامة، وهذا الأمر هو ما كان في القرن السادس الهجري، كما يفهم من وصايا شيخ الإسلام بافضل.
ومن خلال ذلك النشاط استطاع العلماء التغلغل في النسيج الاجتماعي الحضرمي، ولا بد أن قول الشاعر صفوان الأنصاري ينطبق عليهم فيما يخص فض النزاعات القبلية والعشائرية، ولا بد أنهم كانوا يملكون فصل الخطاب في ذلك لما لديهم من علوم فقهية وسياسية واجتماعية وعقلية، خاصة مقدرتهم الفائقة على الجدل والمجادلة وقوة العارضة والخاطر، كل تلك الأمور التي يتمتع بها ويتقنها علماء الاعتزال، هي المطلوبة في اكتساب الوجاهة الاجتماعية والدينية والسياسية.
(62)
وهكذا أصبح المسجد هو محور الحياة الدينية والعلمية والاجتماعية والسياسية، ففي سنة 606 هـ اجتمعت بنو حارثة وبنو حرام في جامع تريم واحتلفوا على طاعة الإمام عبد الله بن راشد (62). ومعنى هذا أنّ كل النشاط السياسي كان يتقرر في المسجد، باعتباره دار الإمامة ومقر الولاية، خاصة إذا علمنا أنه لم أن ولاة حضرموت في ذلك العهد قد اتخذوا دورا أو قصورا خاصة
يعرف
للحكم والولاية.
تبع ذلك الدور المحوري للمسجد في حضرموت الاعتزال، فائق التقدير والاحترام لعلماء المذهب على كثرتهم، لدورهم البارز في جميع مسارات الحياة العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية، وبلغ الأمر في تريم مثلا أن تكون هناك
مقابر خاصة لهم من دون عامة الناس، وهذا الأمر بيناه في حينه.
(236)