حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

هذه العلاقة الوطيدة والحميمة بين المسجد وعلماء المذهب وبين جميع مسارات الحياة، كان لا بد أن تنعكس سلوكا اجتماعيا في مدن حضرموت

الكبرى وتنفرد به عن باقي بلاد الإسلام، مثل إنفرادها عنها بالحالة المعتزلية، سلوكا يفصح عن بعده التاريخي والاجتماعي والسياسي ففي بداية القرن الثامن الهجري، أي في عهد الدولة الرسولبية السنية في حضرموت، زار الرحالة المغربي الإسلامي الشهير ابن بطوطة إقليم ظفار، ومما لفت انتباهه وشد عن الظهور في باقي بلاد الإسلام من عادات أهل ظفار: (أن يتصافح في المسجد إثر صلاة الصبح والعصر، فيستند أهل الصف الأول إلى القبلة، ويصافحهم الذين يلونهم، وكذلك يفعلون بعد صلاة الجمعة، يتصافحون جميعا) (63)

هذه العادة (الحسنة (بلغة ابن بطوطة ليست خاصة بإقليم ظفار وحده، بل تشترك معه فيه كل مدن حضرموت الكبرى) تريم، شبام، الشحر .... ) هذه العادة لا زال معمولا بها إلى اليوم، كما هو الحال في مساجد تريم. وإذا كان ابن بطوطة قد رصد تلك العادة في بداية القرن الثامن الهجري، أنها قد ترسخت من خلال قرون من النشاط المعتزلي، حتى إذا

فإن ذلك يعني كان القرن الثامن، كانت (ظاهرة (عامة راسخة الحضور في الوجدان الفردي

والجماعي، و لم يستطع أي جهد مذهبي مضاد أن يؤثر فيها إلى اليوم ولا شك أن تلك العادة أو الحالة الحضرمية، تمثل تكثيفا تاريخيا ليس لدور المسجد المبكر في الدعوة المعتزلية في حضرموت فحسب، بل وأيضاً ذلك الدور

المحوري الذي ظل يلعبه ومعه علماء المذهب لقرون مديدة في جميع ميادين

الحياة.

(237)