حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢المغرب ضربة قاصمة تجاوزت في إثرها ما مثله سقوط دولتي الأباضية والصفرية بالنسبة لهم، باعتبار تلك الدولتين من مراكز تواجدهم في بلاد المغرب، ولهذا فإن الباحث لا يكاد يعثر على وجود معتزلي بعد القرن الرابع الهجري في بلاد المغرب،
مما يؤيد قسوة الضربة التي تعرض لها وجودهم إثر سقوط المغرب في يد الفاطميين. والذي نراه، هو أنه لما كان المذهب الاسماعيلي مذهب الدولة الفاطمية،
يتقاطع معرفيا مع كل من الأباضية والمعتزلة، فإنّ الأباضية قد استطاعوا اللواذ بالمناطق البعيدة المحصنة جغرافيا والاستقرار فيها، وهي مناطق تناسب الطبيعة الخشنة للحياة الأباضية، لكنها لا تناسب طبيعة العقلية الحضرية لأهل الاعتزال، كما أن المعتزلة لا يستطيعون العيش في الوسط الاجتماعي والعلمي السني المغربي الذي كان يسيطر عليه المذهب المالكي المعروف بحرفيته في فهم النصوص الدينية وكراهيته للجدل وأهله والاعتزال وميوله ورفضه للرأي في الدين واعتماده على النقل في أوسع حدوده، كل ذلك يجعل المجتمع السني المغربي منطقة مغلقة في وجه الاعتزال وأهله، حتى ولو وافق المعتزلة على العيش فيه
أمام هذا المأزق التاريخي لمعتزلة المغرب العربي، الذي تزامن
بدايات
القوة السلطوية المعتزلية في مدن حضرموت الكبرى، فكان أن اتجهوا إليها بأعداد كبيرة، كان الإمام القلعي أحد أشهر أقطاب ذلك النزوح المعتزلي المغربي إلى حضرموت الاعتزال، حتى إذا كان القرن الثامن الهجري، وكانت رحلة الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، كان الوجود المعتزلي المغربي في إقليم ظفار، قد أثمر سلوكا مغربيا في المجتمع الظفاري، وفي ذلك يقول ابن بطوطة: (ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة (مرباط (أشبه الناس بأهل المغرب في شئونهم، نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم، وهو عيسى بن علي، كبير القدر، كريم النفس، فكان له جوار مسميات بأسماء خدام المغرب، إحداهن بخيته، والأخرى زاد المال، لم أسمع
(242)