حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦هم المؤسسون للوعي الديني العقائدي هناك، الأمر الذي سهل على المعتزلة في
تلك المجتمعات الأباضية تحقيق هدفين في غاية الأهمية للعمل السياسي المعتزلي: أ- إمكانية العيش في وطن تربطهم بأهله روابط عقائدية، فلا يشعرون فيه بالغربة المذهبية ويحقق لهم الاستقرار المعيشي والنفسي ب إمكانية نشر مذهبهم على حساب المذهب الأباضي، على مابيناه فيما سبق في معركة (الفروع و الأصول).
القرن الخامس الهجري، حين اشتكى الإمام أبو إسحاق الهمداني من ظهور أهل الشافعية والحنفية على حساب المذهب الأباضي، أنما كان في حقيقة الأمر يشتكي من نشاط أهل الاعتزال الذين يدينون في الفروع بمذاهب أهل السنة الأربعة، ولم يقصد الاعتقاد الأشعري الذي لم يذكره في شكواه، لعدم وجوده الاجتماعي، إذ لو كان موجودا لكان أولى بالذكر والشكوى من الفروع لخطورته المباشرة على الاعتقاد الأباضي
وهكذا يكون المعتزلة قد استمروا الوطن والتأسيس العقائدي الأباضي، وهو شيئاً
الأمر الذي وفر عليهم جهدا كبيرا، ربما لو بذلوه ما كان ليحقق لهم شـ يذكر، خاصة في التأسيس العقائدي نظراً لما في مذهبهم من مسائل عقلية وفلسفية يصعب هضمها ابتداء، بخلاف المذهب الأباضي الذي يعتمد على الكتاب والسنة فقط. وهكذا يكون الوجود المعتزلي في المجتمعات الأباضية مسألة سياسية مقصودة من قبل المعتزلة وتدل على نظرة سياسية بعيدة هذه الاستفادة المعتزلية من التأسيس الأباضي هي التي قصدها الإمام أبو إسحاق الهمداني، حين خاطب ولاة الاعتزال في مدن حضرموت الكبرى عندما امتنعوا عن المشاركة في مقاومة الغزو الصليحي الإسماعيلي، بقوله:
هدمتم منار الدين لما خضعتم كأن لم تشيده الشراة الصمادع
(246)