حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

والحقيقة أن قرار الامتناع ذاك لم يكن قراراً اعتباطياً من قبل أهل الاعتزال، كما لم يكن تخاذلاً عن الدفاع عن الوطن والمذهب، بل كان قراراً سياسياً مدروساً، وذلك للأسباب التالية:

أ) أن عهد ظهورهم السياسي في البلاد ليس له من العمر سوى نصف قرن من الزمان، وأن هذا الظهور كان ثمرة جهود استغرقت قروناً من المعاناه والأموال والتضحيات والنشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فليس من الحكمة في شيء التضحية بكل ذلك من خلال البيعة للإمام أبي إسحاق،، تلك البيعة التي تعني التنازل عن كل ما تم تحقيقه من مكاسب للقوى الأباضية ربما إلى الأبد، إذ إن تلك البيعة هي مطلب أبي إسحاق، وفيها يقول:

ب)

مارمت إلا بيعة أورثتها من كابر عن كابر عن كابر

كانت خطة المعتزلة تقتضي ((تجميد)) إماماتهم في كل من تريم وشبام في منطقة الوادي حيث تدور المعارك ويستعر القتال بين الأباضية والصليحيين، ونفهم تلك الأوضاع القتالية في الوادي دون الساحل من قول أبي إسحاق:

سأقدح نار الحرب حتى أثيرها بواد تغطيه ذيول الغياهب

هذا ((التجميد)) السياسي لإمامات الاعتزال في الوادي نفهمه من قول الإمام أبي إسحاق:

عجبت لهم إذ دبّروا كيف دبّروا وما وردتهم بالسيوف جنود

لقد خضعوا قبل اللقاء وأهطعوا كما هطعت قبل العذاب نمود

أما إماماتهم في ظفار والشحر فقد ظلت قائمة على حالها قبل الغزو والحرب، إذ لم تمتد إليهما المعارك والقتال، وهذا يعني أن تبقى تلك الإمامات في حالة حشد واستعداد لأية تطورات، في الوقت الذي تنهك فيه معارك الدفاع القوى الأباضية، تلك الأوضاع المستقرة وحالة الاستعداد والحشد العسكري لإمامات الساحل نفهمه

(257)