حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

وبذلك يتحول النص إلى جملة من الرموز والإشارات تحتوي أفكارا ونظريات تجد

مصدرها في الفلسفات الدينية القديمة والهرمسية منها بالذات هذا النوع من التأويل يقول به الشيعه (ما عدا الزيدية) والمتصوفة ومختلف التيارات الباطنية في الإسلام، ذلك هو إذن التأويل الفلسفي العرفاني. ويقف في الطرف الآخر المقابل لهذا التأويل، تأويل آخر يعتمده المعتزلة والأباضية وفقهاء أهل السنة، ورغم اختلافهم حول مدى اعتماد العقل فيه، إلا إنهم كانوا جميعا يتقيدون بالحدود التي تسمح بها وجوه البيان العربي في التأويل ولا يتعدونها، مما جعل تأويلهم يبقى دائما بيانيا خالصا من أية شائبة فلسفية

وفي الوقت الذي قام فيه الصليحيون بغزو حضرموت في القرن الخامس

الهجري، كانت أوضاعها المذهبية - السياسية بين الأباضية في البوادي ومناطق

هذه

القبائل، ومذهب الاعتزال في مدنها الكبرى، وهو ما بيناه فيما تقدم من الدراسة. والمذهب الأباضي مذهب عربي خالص، بل هو مذهب أهل البادية والأعراب الذين لا يدرون ما الفلسفة وما علومها، فلم يعرف عن الأباضية الاشتغال بتلك العلوم، ولا دخلت مذهبهم، فقد كانوا وما زالوا يعتمدون القرآن الكريم وما صح لديهم من السنة النبوية، أما ما خلاف ذلك فلا نجد له صدى في المذهب، لا من قريب أو بعيد

ولهذا، فإذا أخذنا بعين الاعتبار حالة العداء والخصام العقائدي بينهم وبين الإسماعيلية، وتعلقهم بالكتاب والسنة لا غير، وكون الأباضية أقل الفرق (البيانية (ممارسة للتأويل، واعتمادهم في أغلب الأحوال على (ظاهر) النص القرآني، وتشددهم في الدين وإخلاصهم في العقيدة، علينا ـــ والحال هذه ـــ أن نتصور المدى البعيد الذي يحكم علاقة التنافر والعداء والإنكار الذي يسيطر على العلاقة بين الدولة الصليحية في اليمن وأباضية حضرموت، ومن هذا المنطل لمق.

(260)