حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٢٦٢

إذا كان ذلك هو حال العداء والإنكار والخصام الذي يسود العلاقة بين

حالها

الأباضية والإسماعيلية، فإن العلاقة بين المعتزلة والإسماعيلية لا تقل عن الأول، إن لم تفقها، ليس بسبب تمكن كل منهما من علومه التي تنفي الآخـ وتقوض مرتكزاته المذهبية العقائدية، وليس لأن المعتزلة كانوا أشد اعتراضا للتأويل العرفاني من أهل السنة بحكم التصادم المباشر بين نهجهم العقلي ونهج الاسماعيلية الغنوصي غير العقلاني، ولكن أيضاً بحكم طبيعة الصراع بين الطرفين الذي اتخذ طابعاً سياسياً عقائدياً أكثر عمقاً ووضوحاً.

ففي العصر العباسي الأول كانت الفلسفة الهرمسية ممثلة في المانوية والإسماعيلية والصابئة، هي الخصم العقائدي و السياسي للدولة العباسية السنية، وكان ذلك الخصم يحاول بقوة تقويض الأساس العقائدي للدولة العباسية تمهيدا لإسقاطها لاحقاً، الأمر الذي يعني تقويض الدين الإسلامي نفسه، ولقد كان ذلك الخصم من القوة إلى الحد الذي كان من أقوى العوامل التي دفعت الدولة العباسية إلى تبني مذهب الاعتزال لمواجهة تلك المخاطر الأيديولوجية المحدقة، ولهذا فقد كان المعتزلة هم أهل الاختصاص والشأن وأيديولوجيو الدولة الموكلة إليهم رد هجمات الأحزاب الهرمسية، ولا بد للمرء أن يقدر الدور الحاسم الذي قاموا به في تحصين الفكر الإسلامي البياني وتطوير العقلانية العربية الإسلامية، وأن يستحضر في ذهنه تلك المعارك الضارية التي خاضوها، فقد تمكنوا من رد هجمات تلك الأحزاب بكل قوة واقتدار، وإرغام خصومهم على الاحتكام إلى البيان العربي كما تحمله اللغة العربية، الأمر الذي يعني نفي الفكر الهرمسي من أساسه منذ اللحظة الأولى.

وهكذا نجد أنه في القرن الخامس الهجري عندما غزا الصليحيون حضرموت، كان كل من المعتزلة الحضارمة والإسماعيلية الصليحيين يحمل

(262)