حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٢٩٩

تركها و التوبة عنها، ومن تلك الصغائر الكذب الخفيف والرقص واللعب غير

المباح (46).

هذا التشدد من الأباضية تجاه مرتكب الكبيرة والصغيرة معا، انما يأتي من ربطهم بين الايمان والعمل، فالايمان لديهم يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ولهذا فان ما يراه أهل السنة صغائر لا توجب تكفيراً، يرونه الأباضية كبائراً عظيمة توجب التكفير، وقد تمحق الايمان، وعدم التوبة عنها يعني الكفر والخلود في النار، ومن تلك الاعمال الغيبة والنميمة والكبر والخيلاء، بل ويرى الأباضيون أن الغيبة والنميمة مفطرة للصوم و مبطلة للوضؤ (47). ذلك إن الاباضية يرون إن من نواقض الوضوء: الكذب والغيبة والنميمة، وايمان الفجور ولعن من لا يستحق اللعن او لعن المسلمين او شتمهم او الطعن في دينهم او الكلام بالشرك والكفر والفحشاء والمنكر، وكذلك عمل الكبائر (48).

وأبن عقبة في ذلك البيت، انما يتحدث عن علماء مذهبه الاباضي الذين اتخذهم اصحابا، الذين يرون تلك الاعمال كفرا، لذا فهم (أي العلماء) عندما يجالسهم، فانه مطمئن إلى أنهم أهل ايمان وتقوى، فلن ينموا او يتغيبوا او يكذبوا على احد، وبالتالي فان مجالستهم لن تكسبه ذنباً او اثما، بل هي مجالس علم وخير وفضل وفيها حسن الجزاء من الله تعالى

وبهذا المعنى، فان أبن عقبة لا يفتخر بأباضيته وبتميزها عن باقي المذاهب

فحسب، بل وأيضاً يلمز إلى تعصبه لمذهبه

.

على ان ما نراه في قصيدة أبن عقبة من صلاح وتقوى واخلاص في العقيدة، انما

هو من صميم

المذهب الاباضي، حسب نظرتهم في الكبائر والصغائر، وهذا الامر

معروف عن الخوارج والأباضية واشتهروا به

(49)

وهكذا نصل إلى أباضية الشاعر والقصيدة، ويبقى ان نرى كيف انعكست

مذهبيته الأباضية وتعصبه لها، على نشاطه السياسي، فإذا تحقق لنا ذلك، فانه يدفع

(299)