حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٣٠١لا فرق في ذلك العصر بين النشاط السياسي والنشاط المذهبي العقائدي، فأبن عقبة عندما يمارس السياسة، فانه في حقيقة الامر يقوم بنشاط مذهبي عقائدي اباضي، والملك الرسولي عندما يقوم بنشاط سياسي فانه يمارس نشاطا مذهبيا عقائديا سنيا، وما كان للمؤرخ السقاف ان يتحدث عن نشاط أبن عقبة السياسي لو لم يعلم مذهبيته الأباضية من خلال اطلاعه على تراثه الادبي.
ليس بدعاً ان يسجن في عدن اعلام حضرموت غير السنية الاعتقاد، مثل ما سجن أبن عقبة، فقد كانت عدن معقلا لآل راشد ولاة تريم في القرن السادس الهجري، كما قام الايوبيون في ذلك القرن أيضاً بسجن الشاعر التكريتي فيها ومصادرة امواله، لا لجناية ارتكبها، ولكن لأنه من اعلام حضرموت الاعتزال، ومن خاصة الإمام المعتزلي الاكحل والي ظفار حينها، وعندما ارادت المراجع الحضرمية السنية ابعاد واقصاء البعد المذهبي لاعتقاله ومصادرة امواله، قالت ان الملك الايوبي (طغتكين (اغتاظ من قول التكريتي في مدح الإمام الاكحل: (هو تاج والملوك حذاء)، ولعمري فان ذلك عذر اقبح من ذنب، وتبرير واضح الصنعة والاختلاق، فلو كان من شيم الملوك والأمراء معاقبة الشعراء على مدائحهم في الآخرين، لا متلأت سجون بلاد الإسلام بالشعراء، ولكنا اليوم ندرس فيما ندرس نوعا من الادب الإسلامي، لعل اسمه سوف يكون: ادب القبض والاعتقال)، هذا إذا بقي لنا شعر وشعراء.
وحين ارادت تلك المراجع اقصاء البعد المذهبي العقائدي لاعتقال أبن عقبة، راحت تتحدث عن وشاية به لدى الملك الرسولي، دون ان تحدد ماهيتها واطرافها وملابساتنا، هذا الغموض والإبهام الذي يحيط بأمر تلك الوشاية، لا يحكم بفساد ادعائها فحسب، بل وان ذلك الغموض يوحي بان هناك أمراً يراد
(301)