حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٣٧٨إن خير مثال معتزلي حضرمي (شعري) للدلالة على مقصود المعتزلة من مفهوم (القضاء) الذي يحتج لأجله الإمام بحرق، هو قول الإمام المعتزلي الكبير شيخ
الإسلام سالم بافضل الذي سبق أن أوردناه في حينه، القائل:
إذا الأمور ألتوت وتعقدت نزل القضاء من السماء فحلّها
وفي هذا البيت لم يأتِ (القضاء) بمعنى (الأمر) كما هو الحال في النص الأول، وإنما جاء للدلالة على معنى الحسم والحتم والإلزام و الاضرار الذي لا خيار فيه ولا عذر ولا راد له من الله الذي إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن، فيكون. وهكذا نجد أنفسنا، مع الأمام بحرق أمام رأس معتزلي كبير ومرجعية مذهبية لا تفوتها صغيره أو كبيره من الذين تستفزهم لفظة القضاء إذا نسبت إلى الله تعالى، فيبادرون إلى إستيضاح القائل أو السائل: ماذا تقصد بقولك هذا؟ ثم يذهبون في يوحي به القول من معاني الجبر في أفعال العباد لينفوا قضاء الله بها (8). ولهذا، فليس لنا أن نعجب كيف إستطاع أمامنا خلال ثلاث أبيات فقط، ومن بيان خطأ النص الأول، ونقده، وتصحيح خطائه، بأسلوب جميل بديع وواضح الدلاله، في قضية عقائدية فلسفية، فذاك أمر أتقنه رؤوس الاعتزال على ما بيناه فيما سبق
تفنيد كلما
عند حديثنا عن أدب المعتزلة
وبهذا لعل القارئ الكريم يقدر المدى البعيد الذي تعرض له تراث الأسلاف من
تشويه وتحريف حتى ينسجم مع الواقع المذهبي اليوم، خاصة إذاعلم ان كتب هؤلاء الأخلاف تتحدث عن إمامنا بحرق ليس بأعتباره سني الاعتقاد فحسب، بل وأيضاً علماً من أعلام التصوف في القرن العاشر الهجري، ولهذا لزم ان نتعامل مع تراث الأسلاف الحضارمة كما ينشره ويذيعه الأخلاف، بأكبر قدر من الحيطة والإحتراس، وبعيداً عن السطحية والسذاجة.
وبعد: فاننا ونحن نتعرض للحياة العلمية والفكرية للإمام بحرق، نذكر انه كان
قد تصدى للتدريس والافتاء في مدينته الشحر، ثم تولى القضاء فيها، وكان مثلا للعدالة
(378)