حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة بين الإباضية والمعتزلة: مشروع رؤية سالم فرج مفلح [دارس عن الإباضية]

حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد

الجزء ١ · صفحة ٤٥٦

نعيم

الآخرة، كما اشتهر عنهم انهم اهل شدة في الدين). وكيف لاتتجه نفوسهم

بكليتها إلى نعيم الآخرة وهم الشراة الذين اشتروا الآخرة بالدنيا.

وعلى الاجمال، فأنه مشهور عن الاباضية والخوارج (كثرة العبادة وزهدهم في الحياة الدنيا، فقد كانوا يقضون الليل في التهجد والصلاة بينما الناس

في هجوع، يستريحون من عناء النهار، فأن هؤلاء القوم لا يستطيعون لذة النوم

،

لان خوف الله قد اطار الكرى من عيونهم، فتراهم سجدا يتلون كتاب الله، فاذا مروا بآية فيها ذكر الله، استدروا الدمع من مآقيهم، بكوا شوقا إليه، وهكذا جعلوا من الليل - الذي جعله الله سباتا للناس - قياما مستمرا ومكابدة لا تنقطع. وبالاضافة إلى كثرة عبادتهم وشدة تقواهم، فقد سيطر عليهم شعور الخوف من عذاب الآخرة، فاذا هم ركع سجد في الليل، صائمون في النهار، ويبدو ان هذه المكابدة في العبادة قد دفعتهم إلى السأم من الحياة الدنيا، وصار من الجهل عندهم التعلل والتلهي بآمال كاذبة وسراب خادع، في حين ان الانسان يدفع إلى منيته كل دفعا، وكان من العبث لديهم ان ينشغل الانسان بحطام الدنيا الذي يجمعه لغيره، فبدلا من ذلك ليتزود بثروة الايمان والتقوى التى تساعده على مواجهة ايام الفقر البائسة في دار الخلود الابدية. وهكذا يظهر لنا ان الخوارج والاباضية قد عافوا الحياة الدنيا وملوها واستصغروها، وتعلقوا بالآخرة وتعشقوها، و لم يروا في الحياة الدنيا إلا جسر عبور إلى الآخرة.) (4)

يوم

ان كتب التاريخ الإسلامي لا تعطينا أكثر من تلك الصورة عن أحوال الزهد والعبادة لدى المعتزلة والأباضية، فهي مثلا لا تصف لنا طريقتهم في العبادة من خلال كتاباتهم وآثارهم الأدبية والعلمية، خاصة المعتزلة نظراً لغزارة انتاجهم الفكري الذي تم افناؤه واعدامه من قبل الخصوم، ولكن ذلك التراث لم يكن ليعدم كاملا بتلك السهولة في حضرموت، ليس فقط بسبب طول عمر الاعتزال فيها، بل

(456)