حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٤٩٩وبالتالي من تعظيم قبورهم وتمييزها عن غيرها من قبور المسلمين، وبالتالي موقفهم من التصوف في القرن العاشر الهجري، وقبله إنما يقوم على الإنكار والرفض، بدليل ظهور تلك الأزمة العاصفة لأول مرة في تاريخ حضرموت الإسلامي بعد القرن العاشر لا قبله، وبدليل عدم وجود أية قباب أو توابيت تعود إلى تلك الفترة في مقابر تريم التاريخية. هذا الإنكار والرفض للتصوف يتأسس على المذهبية الأباضية والمعتزلية المتحكمة في الوعي الديني والثقافي الحضرمي منذ القرن الثاني الهجري، قرن التأسيس الأباضي في حضرموت ثقافة الإنكار والرفض للتصوف تلك، كان لا بد أن تسيطر على المسألة الفقهية كما سيطرت على المسألة العقائدية، ولهذا نجد الإمام المعتزلي الكبير محمد بن عمر بحرق في القرن العاشر يقول في مسألة القبور: (وينبغي أن لا يزاد في القبر على ترابه، وأن يرفع قدر شبر، وتسطيحه أفضل من ويكره تحصيصه والبناء عليه ولو أوصى بأن يبنى عليه في مقبرة
تسنيمه
المسلمين، لم تنفذ وصيته، بل ذلك حرام، ويقاس على ذلك غيره) *، وفي قوله (ويقاس على ذلك غيره (فإن الإمام بحرق يقطع بتشديد الرفض والإنكار لأية محاولة للتجاوز أو المسامحة باتجاه التصوف، مهما كان قدر ذلك التجاوز، وأما قوله في أول النص السابق بكراهة البناء على القبور، ثم قوله في آخره بتحريم ذلك، وإن كان الإمام بحرق في كلا الحالين لا يقر البناء، إلا أن الكراهة غير التحريم، ونعتقد أن ما ورد في ذلك النص من ارتباك واضطراب في الحكم على تلك المسألة، لا يعود إلى الإمام بحرق نفسه، وإنما كان ذلك من صنع (الأخلاف) وجهودهم في طمس حقيقة مواقف الإسلام، فقد سبق أن رأينا الإمام سالم بافضل، بفضل تلك الجهود، يتناقض مع نفسه في مسألة عدد ركعات صلاة الضحى.
وبعد: اذاكان المجتمع الحضر مي قد انقسم على نفسه في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بين اهل البيان واهل العرفان، فإن هذا الانقسام قد انعكس عقائديا في
(899)