حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٥٠١ظاهرة السيادة شبة التامة للفقه السني تجد تفسيرها في أن المأزق التاريخي للمـ الأباضي ومنذ بواكير حضوره في حضرموت، ظل يعاني من هجوم المذاهب السنية الفقية الأربعة التي حملها المعتزلة معهم إلى المجتمعات الأباضية عامة، وكانت تلك
هي طريقتهم المثلى في توسيع الدائرة الاجتماعية والسياسية للاعتزال، على حساب المذهب الأباضي، وهو الأمر الذي اشتكى منه الإمام المجاهد الأباضي أبو إسحاق الهمداني الحضرمي في القرن الخامس الهجري، هذا من ناحية، ومن أخرى، فإنه وبعد القرن العاشر الهجري، كان لابد أن تزداد وطأة الحملة على الفقه الأباضي، التي لابد أن تتزعمها وترعاها وتدفع بها السلطة السنية الحاكمة بمشاركة فاعلة من قبل الفعاليات المعتزلية بخبراتها التاريخية، بعد أن تحولت - حقاً أو تقية - إلى مذهب السلطة الحاكمة. وكان لابد أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم من
السيادة الفقهية السنية شبه التامة، وهو الأمر الذي يعني نهاية المذهب الأباضي. وبهذا يكون المعتزلة ومن خلال ارتباطهم بالسلطة السنية بعد القرن العاشر، قد استطاعوا تحقيق ما عجزوا عنه في ظل دولتهم، ألا وهو سيادة المذاهب الفقهية السنية والقضاء على المذهب الأباضي، وإن كان ذلك على حساب الكثير من مبادئ الاعتزال وأصوله، فالسياسة دائماً لونها رمادي.
على أنه من المهم هنا القول أن هذه الظاهرة لا تخص حضرموت وحدها، بل تشاركها فيها بلدان شرق إفريقيا بلاد الزنج: تنزانيا – زنجبار – لامو – ممباسا - مدغشقر - جنوب الصومال – جزر القمر .... ، هذه البلدان سبقت غلبة الأباضية عليها منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين، وقد انحسر عنها المذهب الأباضي اليوم، وغلب مذهب أهل السنة، تماماً كما هو الحال اليوم في حضرموت. هذه النهاية التدريجية والمتأخرة للأباضية هي التي جعلت الأستاذ أحمد أمين يعد حضرموت وبلدان شرق إفريقيا من بلدان الأباضية اليوم.
(0.1)