حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٥١١وهكذا يمكن القول، ان الوجود المعتزلي المبكر في حضرموت، كان
مصدرا هاما ورئيسيا في معرفة قيادة الاعتزال المركزية في البصرة بطبيعة الاوضاع فيها، وكانت تلك الاوضاع محل تحليل ودراسة عميقة من قبلهم، قبل ان يتخذوا قرارهم باقامة دولة المذهب فيها
على ان هناك عوامل اساسية لعبت دورا حاسما في اختيار الفرق غير السنية من اليمن مركزا لانشطتها، منها بعدها عن مراكز الخلافة السنية القوية وصعوبة تضاريسها ووعورة سبلها، ووجود العصبيات القبلية القوية التي متى ما تم استقطابها مذهبيا، كانت عونا وقوة لهذا المذهب او ذاك. ولا شك ان قيادة الاعتزال قد اخذت بتلك العوامل في اختيارها لحضرموت وطنا لمشروعهم السلطوي، غير انهم رأوا سيادة المذهب الاباضي على مناطق البادية والقبائل، ومن الصعب، بل من المستحيل عليهم زحزحة البادية عن اباضيتهم، كما رأوا ببعد نظرهم ان العصب الرئيس لأية دولة، انما هو ضمان الموارد المالية المستديمة لاستقرار الاحوال والاوضاع، وان مناطق البادية والقبائل تكاد تخلو من تلك الموارد، ثم انهم وجدوا ان تلك الموارد تكاد تنحصر في المدن التالية: تريم و شبام والشحر ومرباط، ثم ان لهم، أي المعتزلة، وجود عريق فيها، ولديهم خبرة في كسب علماء المذهب الاباضي فيها إلى مذهب الاعتزال، لهذا فقد استقر الرأي لديهم على اقامة مشروعهم السلطوي في تلك المدن، وهذا ما تم بالفعل، على ما اوضحت هذه الدراسة، حتى إذا كان القرن السادس الهجري، وجدنا زحفا علميا معتزليا قد غلب على تلك المدن، إلى الحد الذي كان في تريم وحدها ثلثمائة عالم وففيه ومفتي، واصبح في كل مدينة قاضيان واحد حنفي والآخر شافعي، ومفتان: واحد حنفي والآخر شافعي، وهو الأمر الذي يعني سيادة الاعتزال على تلك المدن. كل ذلك يعني حقيقة واحدة، الا وهو نجاح الخطة المعتزلية في اقامة مشروعهم السلطوي في
(011)