حضرموت بين القرنين الرابع والحادي عشر للهجرة العاشر والسابع عشر للميلاد
الجزء ١ · صفحة ٩٩وإذن فإن آراء نشوان في المذاهب والفرق الأخرى تجعل من مدحه وإشادته بعلماء تريم وحكامها لا تنسجم إلا مع نظرته لمذهبه في الاعتزال، وهكذا نكون قد وصلنا مع الخيط الذي تركه لنا نشوان إلى نقطة حرجة، تقول باعتزالية تريم في القرن السادس الهجري
غير
أن التحقيق العلمي لهذه القضية يتطلب أمر مهما وهاما، ألا وهو التدليل بالنصوص القاطعة التي يجب أن تكون من إنتاج المجمع العلمي التريمي في القرن السادس، إلا إنّ العثور على ما هو مطلوب أمر في غاية الصعوبة، ذلك أن النتاج العلمي لتريم الراشدية التي كانت غنية بالرجال والعطاء، إنما هو في حكم المفقود والمعدوم، وقال البعض أن يد الأيام قد سطت عليه. إن فقدان كل الإنتاج العلمي لثلاثة قرون كاملة أمر غير مقبول، خاصة إذا كانت تلك القرون هي عمر دولة بحجم دولة آل راشد التي ضمت ورعت ذلك المجتمع العلمي الكبير الذي بلغ قوامة ثلاثمائة عالم وفقيه، عدد كبير منهم يشتغل بالتأليف، وإذا كان المؤرخ باوزير يرفض تبرير فقدان كل التراث الأباضي الحضرمي من خلال الخمسة القرون الأولى من الإسلام بحجة الفتن والثورات، بقوله: (ومهما قيل في تعليل ذلك من أسباب تتعلق بالحروب والفن التي تعرضت لها البلاد، فإنّ ذلك لا يقنعنا بأنّ هذه الحروب وحدها كانت سببا في اختفاء كل أثر للأباضية في حضرموت، ذلك أنه من الجائز أن تتعرض بعض المصادر للتلف، أما أن تختفي جميعا من الوجود كلية، فهذا مالا يمكن أن يقبل
(47)
(48)
أو يستساغ) وإذا كان ذلك هو رأى الأستاذ باوزير تجاه التراث الأباضي، فإنّ الأمر نفسه ينطبق على اختفاء التراث المعتزلي في العالم الإسلامي كافة، رغم كثرة ذلك الإنتاج وغزارته على ما تذكر كل المصادر الإسلامية: (فما بالنا لا نرى منه بين أيدينا إلا جزء يسيرا ضئيلا لا يكاد يذكر، إذا قيس بهذه الكثرة التي تصفها لنا مصادر التاريخ، إننا نستطيع الإجابة على هذا السؤال إذا تصورنا ما
(99)