دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١٢

عمر فرّوخ ينفي أن تكون أحاديث ابن دريد هي أصل مقامات بديع الزّمان الهمذاني، لكنّه يعترف بوجود شبه قويّ بينهما، ويقرّ بوجود فروق بينهما: " … وابن دريد هذا كان راوية وعالمًا ولغويًّا، وقد عُنِي برواية أحاديث عن الأعراب وأهل الحضر، ولا ريب في أنّ بين أحاديث ابن دريد وبين المقامات شبَهًا قويًّا، من حيث القصص والسّجع، ولكنّ هناك فروقًا كبيرة في الصّناعة وفي العقدة وفي وجود بطل للمقامات هو المكدي وفي بناء المقامة على الكُدية، وعلى الهزء من عقول الجماعات مع إظهار المقدرة في فنون العلم والأدب، إلى ما هنالك من خصائص فنّ المقامات."(1)

غير أنّه لا ينفي تأثّر بديع الزّمان بان دريد، ولا يثبته: " على أنّ هذا لا يعني أنّ بديع الزّمان لم يطّلع على أحاديث ابن دريد، أو على ما روى عن العرب من قصص وأحاديث وأسمار، ولكنّ الفرق في تلك الأحاديث وبين المقامات من حيث الغاية والأسلوب كبير جدًّا."(2)

رأي الدّكتور عمر فرّوخ غير واضح، فهو ينفي أيّ شبه للمقامات بالأحاديث فنّيًا. فما ذكره من فروق بين الأثرين يخصّ الجانب الفنّي، وهو ما يميّز المقامة عن غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى. هذه المميّزات مفقودة في أحاديث ابن دريد، وهو ما يشكّك في وجود علاقة بينها وبين مقامات بديع الزّمان. أو على الأقلّ يظلّ ذلك غير مقنع بوجود هذه العلاقة. أمّا كون وجود القصص والسّجع في الأحاديث، فهذا قد يكون قاسمًا مشتركًا في كثير من الفنون الأدبية، لا يكفي مبرّرًا أو دليلاً على وجود شبه قويّ بينها وبين مقامات بديع الزّمان. من هنا يبدو لنا رأي عمر فرّوخ غير واضح. ويمكن لنا أن نقرّر أنّه ينفي بطريقة غير مباشرة تأثّر بديع الزّمان بابن دريد. بل هو يثبت لبديع الزّمان اختراع هدا الفنّ في الكتابة الأدبية الفنّية؟

أمّا الدّكتوة إكرام فاعور فلا ترى أحاديث ابن دريد مصدرًا لمقامات بديع الزّمان الهمذاني، لكنّها – بدورها – لا تنفي تأثّر بديع الزّمان بابن دريد. وقد قامت بعقد مقارنة بين الأثرين، فوقفت على

(1) - عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، ج2، ط4،، ص: 413.

(2) - المرجع نفسه .. عن حقيقة المقامة، وعن الأجزاء التي تتكوّن منها، ينظر الدّكتور محمد غنيمي هلال، النّقد الأدبي الحديث، دار …

نهضة مصر للطّبع للنّشر، الفّجالة، القاهرة، 1973م، ص: 529. وعمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 412.

١٢ / ٥٣