دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢١

يقول أحمد درويش: " وأبرز هذه الطّوائف طائفة "الأعراب"، وهي طائفة متعدّدة الوجوه، وتعكس معالجة ابن دريد لها في أحاديثه أصداء الأفكار التي كانت شائعة في الحضر عن عالم البدو، ومدى ما يتمتّعون به من صفات عفوية متضاربة في بعض الأحيان، وبعض خصائصهم تلك يمكن أن تكون مثارًا للتّفكّه، وبعضها الآخر يصبح مثارًا للتّعلّم والاقتداء بالصّفات التي لم يفسدها التّحضّر."(1)

قد يكون ذلك راجعًا إلى إعجابه بالأعراب: فصاحة وبيانًا، وشمائل وأخلاقًا، التّحدّث بها يعين على بناء شخصية الإنسان الحقيقية. وقد يعود هذا إلى ما لاحظه في المجتمع من تغيّر في القيم، وتخلّ عن الأصول، وامتزاج بالثّقافات غير العربية، التي أثّرت سلبًا على مقوّمات الشّخصية العربية … فأراد بهذه الطريقة أن يرجع لهذه القيم مكانها في التّربية والتّكوين، فعمد إلى حياة الأعراب يمتاحها لتمنحه الأسباب التي تعينه على بناء شخصية النّشء على السّنن العربية الأصيلة، بخاصّة وهو العالم المعلّم الذي سخّر حياته للعمل في هذا الميدان. قد يكون للاتّجاه الذي اتّجهه ابن دريد في أحاديثه، من التّركيز على اللّغة العربية، في غريبها ومفرداتها وتراكيب أساليبها، وإيراد الحكم الكثيرة، ونقل أخبار الأعراب، ونبذ من فصاحتهم … قد يكون لكلّ ذلك علاقة أو انعكاس لما ساد عصره من مزاحمة الثّقافة العربية من الثّقافات الأخرى الوافدة، التي تركّزت في الأوساط العربية، وغيّرت من معالمها. وقد وصل الحال إلى المواجهة بين الثّقافتين، بلغ حدّ المفاضلة بينهما: "شكّل في بعض المراحل نمطًا ثقافيًا، يتمّ من خلاله عادة المفاضلة أو المواجهة بين طائفتين، تعتزّ إحداهما بالثّقافة العربية الإسلامية، وتعتزّ الثّانية بالثّقافة المستحدثة الوافدة، وتزهو بها على الطّائفة الأخرى."(2)

هذا التّوجّه هو الذي يعطي لهذا المضمون قيمة، ويمنحه الرّيادة في السّير في هذا الطّريق. طريق المحافظة على الأصالة، وبعث الثّقافة الأولى التي ينبغي أن تسود، مع التّفتّح على الثّقافة الأخرى، من دون أن تمسّ من الأولى.

ثانيًا: أحاديث من عالم النّساء

من موضوعات أحاديث ابن دريد عالم النّساء، في جوانب كثيرة منه. تناولتها بنتًا وأمًّا وزوجًا، وفتاة عاشقة ومعشوقة … نقلت عنها الشّجاعة والمروءة، والقيام بشؤونها أحسن قيام، والتّمرّد والخروج

(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 116.

(2) - المرجع السّابق، ص: 41.

٢١ / ٥٣