دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢٨أن يأْخُذَه منِّي كَرْها، فآدِنِي أيُّها الأميرُ، فقد رامَ قَهْرِي، وأرادَ قَسْرِي. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني، حَملتُه قبلَ أن تَحْملَه، وَوَضَعْتُه قبلَ أن تَضَعَه، وأنا أقومُ عليه في أدبه، وَأَنْظُرُ في أَوَدِه، وأَمْنَحُه علمِي، وألْهِمُه حِلْمِي، حتّى يكمُلَ عقلُه، ويسْتَحْكِمَ فَتْلُه. فقالت المرأةُ: صدق أصلحك الله، حَملَه خِفًّا، وحَملتُه ثِقْلاً، وَوَضَعه شَهْوَةً، وَوَضَعْتُه كُرْهًا. فقال له زياد: اُرْدُدْ على المرأةِ ولدَها، فهي أحقُّ به منك، ودَعْنِي من سَجْعك."(1)
الحديث طريف في أسلوبه، وفي حواره ومناظرته، فيه سجّل ابن دريد براعة كلّ خصم في إيراد الحجج والأدلّة والبراهين، التي تعينه على كسب قضيته، وإفحام مناظره، كما سجّل فيه المشقّة والعمل الكبير اللّذين يصدران من الوالدين. وفيه انتصر الوالي الحكم للمرأة، وفي هذا إقرار ضمني بتحمّل المرأة العنت الكبير الذي تلاقيه في سبيل تربية الأولاد، لذا كان حقّها (أمًّا ووالدة) في البّرّ والإحسان مقدّمًا على حقّ الرّجل (أبًا ووالدًا)، كما أقرّه الشّرع الحنيف. ألا تكون هذه المناظرة فرصة لتبيان هذا الجانب، وتوضيح هذا الحقّ. مهما يكن التّأويل والفهم والإدراك لما جرى، وما حُدّثَ بِه، فهو وجه من وجوه عالم المرأة، الذي أرادَ ابن دريد الكشف عنه.
عاشقة ابن عمّها.(2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: كانت خُليبةُ الخُضْرية تَهوى ابن عمٍّ لها، فعلم بذلك قومها فحجبوها، فقالت:
هَجرتُكَ لَمَّا أن هَجَرْتُكَ، أَصْبَحتْ … بِنا شُمَّتًا تلك العيونُ الكواشحُ
فلاَ يفْرحِ الواشون بالهَجْرِ رُبَّما … أطال المُحِبُّ الهَجرَ والجَيْبُ ناضِحُ
وتغدو النّوَى بين المُحِبّين والهوَى … مَع القلبِ، مَطويٌّ عليهِ الجَوانِحُ "
تناول الحديث نقطتين مهمّتين:
(1) - اسَْتَوْكَعَتْ: اشتَدَّتْ. آدِنِي: قَوِّنِي وأعِنِّي وانْصُرنِي عليه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 83.