دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢٩

الأولى: كشف عن عالم العاشقين والمحبّين، الذين لا يؤثّر على قلوبهم ما يفعل بهم، من الإبعاد والتّفريق، وحرمانهم من التّلاقي. فإذا كان النّوى يبعد المحبّين. فإنّ القلب يبقى محتفظًا بالهوى بداخله، مطويًّا عليه الجوانح.

الثّانية: سجّل محافظة المجتمع العربي على الأصول والتّقاليد، التي لا تقبل المساس به وبحرمته، فالعلاقة التي تكون عن هوى وعشق مرفوضة من الأسرة الأصيلة.

في بيان النّقطتين أو تناولهما كشف عن جانب من عالم النّساء، يضاف إلى ما سبق ذكره والإشارة إليه، والتّمثيل له في أحاديث ابن دريد.

ثالثًا: عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد

إنّ شخصية ابن دريد القويّة، وخبرته بالحياة، وتقلّبه بين أحوال مختلفة فيها، ومعاشرته لأصناف متعدّدة من النّاس، ومُمارسته لمهنة التّعليم، بل وتحمّله مسؤولية إعداد النّشء وتوجيهه … كلّ ذلك أثمر عنده حكمًا بالغة الأهمية، تعالج كثيرًا من شؤون الحياة بشمولية وعمق ودراية. هذا ما نجده في شعره منتشرًا أكثر.

في أحاديثه التي نعالجها بالدّراسة، نلمس هذا الاعتناء؛ برصد مجموعة من الحكم، حدّث بها تلاميذه، وبخاصة تلميذه الوفيّ أبا عليّ القالي، الذي أملاها بدوره على مرتادي مجالسه في مسجد قرطبة. حتّى ولو لم تكن هذه الحكم من بنات عقل ابن دريد، إذ لم يكن هو إلاّ ناقلاً، لكن كما يقال: إنّ اختيار المرء جزء من عقله. إنّه انتقاها وانتقرها ليعلّم بها النّشء الطّالع، والجيل الصّاعد. وهي عند التّأمّل لا تخرج عن حدود شخصيته المعروفة عند من تأمّل فيها ودرسها. نستطيع أن نجد لها نظائر في شعره الذي تميّز بالحكمة. نسرد في الآتي بعض الحكم الواردة في أحاديثه تمثيلاً لا استقصاء، ثمّ نسجّل بعض الملاحظات على ما حدّث به.

ـ من وصايا عمر بن الخطّاب.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو حاتم عن العتبي قال: حدّثنا رجلٌ من أهل الكوفة قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله، في غيبة غابَها: أمّا بعد، فإنّه مَنِ اتَّقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه،

(1) - المصدر السّابق، ص: 55.

٢٩ / ٥٣