دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٠

فاجعل التّقوى جِلاءَ بصرك، وعِماد ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا جديد لمن لا خَلَقَ له."

إذا كان عمر بن الخطّاب قد ركّز على التّقوى، وهي الأساس في البناء والتّدبير والمسير، وهي وصية الله عزّ وجلّ للأوّلين والآخرين. فإنّ عليّ بن أبي طالب في الوصيّة الموالية، بيّن حقيقة الدّنيا، التي قد تقف أمام التّقوى، إذا لم يحسن المرء التّصرّف معها، وتصريفها في الخير.

ـ وصف عليّ للدّنيا.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: سأل رجل عليّ بن أبي طال رضوان الله عليه، قال: صِف لِيَ الدُّنيا، فقالَ: وما أصفُ لكَ من دارٍ، أَوّلُها عناء، وآخرها فناء، منْ صَحَّ فيها أَمِن، ومنْ سَقِمَ فيها ندِم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنَى فيها فُتِن، حَلالُها حِساب، وحرامها عذاب."

هذه حقيقة الدّنيا، فلا يطمأنُّ إليها ولا يركن. لذا وجب على المرء أن يعرف كيف يدّبر أمره فيها؛ حتّى لا تغرّه بما تزيّنه له من أفعالها، وبما تحيطه به من هالة العظمة والجاه، فيغترّ ويتكبّر ويتجبّر، وينسى غيره. في هذا السّياق يوجّه أبو جعفر الباقر وصيّة للخليفة عمر بن عبد العزيز، بعد أن طلبها منه، وهو الحريص أن لا تفتنه الدّنيا، وتغرّه وتغرّر به، بعد أن أصبح في جاه من الارتقاء إلى سدّة الحكم، وتبوُّئِه منصبًا أعلى في الدّولة.

- وصية الباقر لعمر بن عبد العزيز.(2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى أبو بشر العُكْلِيّ، قال: حدّثني أو حُدّثتُ عن أسد بن سعيد (الشّكّ من أبي بكر) قال: حدّثني أبي عن جدّي عن عُفَيْر، قال: دخل أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقال: يا أبا جعفر، أَوْصِنِي، قال: أُوصيكَ أنْ تَتَّخِذَ صغير المسلمين ولدًا، وأوسطهم أخًا، وكبيرَهم أبًا. فارْحمْ ولدَك، وصِلْ أخاك، وبِرَّ أباك. وإذا صنعت معروفًا فَرَبِّه."

الملوك والأمراء والرّؤساء المتواضعون، الذين يحبّون الخير لأنفسهم، ويرغبون أن يفيدوا من العلماء دائمًا، يبحثون عن الحكمة في كلّ مكان، وعند كلّ أحد، بخاصّة من معدنها، وهم الحكماء. كما صنع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فيماجاء في النّصّ السّابق. وما نثبته من الحديث الآتي مع قيصر الرّوم.

(1) - المصدر السّابق، ص: 120.

(2) - المصدر السّابق، ص: 308.

٣٠ / ٥٣