دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٢قال: وأخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمِعتُ رجلاً يوصي آخر، وأرادَ سفرًا، فقال: آثِرْ بِعملِكَ معادك، ولا تدعْ لشهوتك رشادك، وليكنْ عقلُكَ وزيرَك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمُك من الرّدى، أَلْجِمْ هواك عن الفواحش، وأطلقهُ في المكارم، فإنّك تَبَرُّ بذلك سَلَفَك، وتشيدَ شرفك."
لم يغفل ابن دريد وهو يحدّث عن الحكم، ويوجّه الأجيال الصّاعدة، ويعلّم بها خلق الله، أن يفيد من حكماء غير عرب، فراح يسرد مجموعة من الحكم من الفارسية واليونانية والهندية … نذكر بعضها فيما يأتي:
- من حكم فارس.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: وجد في حكمة فارس: إنِّي وجدتُ الكرماء والعقلاءَ يبتغون إلى كلّ صِلةٍ معروفٍ سببًا، ورأيتُ المودّة بين الصّالحين سريعًا اتّصالُها، بطيئًا انقطاعها، ككوب الذّهب سريع الإعادة، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ. ورأيتُ المودّة بين الأشرار بطيئًا اتّصالُها، سريعًا انقطاعها، ككوب الفخّار، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ، فلا إعادة له. ورأيتُ الكريمَ يَحْفظُ الكريمَ على اللِّقاءة الواحدة ومعرفة اليوم. ورأيتُ اللّئيمَ لا يحفظُ إلاّ رغبةً أو رهبَةً. "
- وصفة هندية.(2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال: قال بعض علماء الهند: صُحبة السّلطان، على ما فيها من العزّ والثّروة عظيمة الخِطار، وإنّما تُشبَّه بالجبل الوعر، فيه السّباع العادية، والثّمار الطّيّبة، فالارتقاء إليه شديد، والمُقامُ فيه أشدّ، وليس يتكافأُ خيرُ السّلطان وشرُّه؛ لأنّ خير السّلطان لا يعدو مزيدَ الحال، وشرّ السّلطان يُزيلُ الحال، ويُتلِفُ النَّفسَ التي لها طُلِبَ، المزيد، ولا خير في الشّيء الذي سلامته مالٌ وجاه، وفي نكبته الجائحةُ والتّلف."
- حكيم من العجم.(3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن خضر عن حمّاد بن إسحاق الموصلي، قال: سَمِعتُ أبِي يقول: قال رجل من العجم لملك كان في دهره: أوصيك بأربع خلالٍ، تُرضِي بهنّ ربّك، وتُصلحُ بهنّ رعيّتك. لا يغرنّك ارتقاء السّهل، إذا كان المنحدرُ