دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٣

وَعْرًا، ولا تَعدنَّ عِدةً ليس في يدكَ وفاؤُها، واعلم أنّ لله نَقِماتٍ فكن على حذرٍ، واعلم أنّ للأعمال جزاءً فاتّقِ العواقب."

هذه الوصايا، التي جاءت على صورة حكم، قالها الحكماء، لا تختلف في مضمونها وفي عمقها ومغازيها عمّا حدّث به أبو بكر بن دريد من حكم العرب. ممّا يدلّ على أنّ الفطرة الإنسانية تدعو وتهدي إلى ما هو أقوم وأسدّ وأنفع وأصلح للبشر، فما على المرء إلاّ أن يستجيب لهذه الفطرة. كما أنّ ما قام به ابن دريد، من رواية دررٍ، ممّا قرأه أو سمعه عن الأمم غير العربية يدلُّ على تفتّحه على الثّقافات الأخرى، وهو أحد عوامل تكوّنه ونثقّفه، كما لاحظ وسجّل ذلك الدّارسون والباحثون.

في ختام الحديث عن عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد نقول:

1 - إنّ الحكم التي انتقاها وحدّث بها ورواها ابن دريد تعكس شخصيته المنطوية على القوّة وحبّ الخير، وتقديم يد المساعدة للنّشء بخاصّة؛ كي يبني شخصيته على أسس صحيحة متينة. كما أنّها تهدف إلى توجيه المجتمع إلى طرق الإصلاح والتّطهير وإزالة ما يعوق سيره وبناءه على قواعد سليمة.

2 – تنويعه في إيراد هذه الحكم، فقد شملت فئات مختلفة، وبيئات متعدّدة، ومستويات كثيرة، وثقافات مختلفة … في هذا دلالات كثيرة، يقف عليها كلّ لبيب متأمّل فاحص ناقد.

3 – أحاديثه في هذا لم تتعدَّ نهاية العصر الأموي، ربّما يرجع ذلك إلى كونه غير مطمئنّ إلى ما بعد هذه الفترة؛ بسبب المتغيّرات الكثيرة التي حدثت في المجتمعات العربية والإسلامية، ربّما يكون هذا جعله لا يثق فيما وجد فيها، وهو يريد أن يوجّه ويعلّم ويكوّن الأجيال، ويصلح المجتمع.

رابعًا: أحاديث عن عالم التّاريخ

اهتمّ ابن دريد بالتّاريخ، يحدّث عن أبطاله، ويروي وقائعه وواقعاته، ويسجّل موقف صانعيه، ويحكي عن مشاهده، وينقل أقوال بانيه … معتمدًا على روايات أساتذته ومشايخه. الهدف - دائمًا – هو التّعليم والتّوجيه …

رسالته التّعليمية دفعت به إلى اللّجوء إلى أيّة وسيلة ممكنة لتحقيق غايته، والاستعانة بأيّ مصدر يأنس إليه، يخدم هدفه ومنهجه. فكان عالم التّاريخ من بين هذه العوالم الذي دخل إليه بعمق لأجل هذه الغاية. وركّز كثيرًا على الشّخصيات الفاعلة في التّاريخ، وسرد بعض مواقفها، وروى بعض المشاهد التي تبرز عناصر القوّة في هذه الشّخصيات، التي تتماشى مع رسالته هو. وقد روى كثيرًا وحدّث عن

٣٣ / ٥٣