دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٧تَتّخذنَّ وزيرًا إلاّ عالِمًا، ولا أمينًا إلاّ بالجميل معروفًا، وبالمعروف موصوفًا، فإنّهم شركاؤك في أمانتك، وأعوانك في أمورك، فإن صَلَحوا أَصْلَحُوا، وإن فَسَدُوا أفْسَدُوا."
وبهذا الإسناد قال: قال عبد الملك بن مروان رحمه الله: يا بني أُميّةَ، ابذُلُوا نداكمْ، وكُفّوا أذاكُمْ، واعفُوا إذا قَدَرْتُمْ، ولا تَبْخَلُوا إذا سُئِلتُمْ، فإنّ خير المال ما أفادَ حَمْدًا، أو نَفَى ذمًّا، ولا يقولنَّ أحدُكُمْ: اِبْدَأْ بِمن تعول، فإنّما النّاسَ عِيالُ الله، قد تَكفّلَ الله بأرزاقهم، فمن وسّع أخلفَ الله عليه، ومن ضيّق ضيّق الله عليه."
- وصايا زياد بن أبيه لمن يولّيه عملاً.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس، قال: كان زياد إذا ولَّى رجلاً عَملاً، قال له: خُذْ عهدك، وسِرْ إلى عَملك، واعلمْ أنّك مصروفٌ رأسَ سنتِك، وأنّك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إنّا إن وجدناك أمينًا ضعيفًا استبدلنا بك لِضَعفِكَ، وَسَلَّمَتْكَ من معرّتِنا أمانَتُك. وإن وجدناك قويًّا خائنًا، اسْتَهَنَّا بقوّتِك، وأحْسنَّا على خِيانتِك أدبَك، وأوْجعْنَا ظهرك، وثَقَّلنا غُرْمَك. وإن جَمعْتَ علينا الجُرمين جمَعْنَا عليك المضَرّتين. وإن وجدناك أمينًا قويًّا زِدْنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثّرنا مالك، وأوطَأْنا عَقِبَك."
هذه نماذج من الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد في موضوع التّاريخ، وهي أمثلة ركّز فيها على مواقف ووصايا صدرت من بعض الأعلام والرّجال، الذين شاركوا في صنع التّاريخ بأقدار متفاوتة. اجتهد الدّكتور أحمد درويش في جَمعها ووضعها في مجموعة واحدة، تحت عنوان: " أحاديث التّاريخ "(2) وقد وردت في كتاب الأمالي موزّعة بين المجالس التي أملاها فيها أبو عليّ القالي على من كان يحضرها. كما أنّ هناك أحاديث أخرى موجودة في الكتاب، وفي مصادر أخرى نقلت شذرات تاريخية، من الجاهلية إلى العهد الأموي، وضعها أحمد درويش في مجموعات أخرى، تحمل الرّوح نفسها، والرّسالة ذاتها، كما نفهم من إملاء ابن دريد لها. السّؤال الذي يتبادر إلى الذّهن هو ماذا يعني هذا المسلك؟ أو بماذا يوحي؟
يبدو أنّ هذا يعكس ما يسود نفس ابن دريد من النّزعة العربية، وتقديره للعنصر العربي، ودفاعه عنه كلّ اعتداء أو تنقيص أو إهانة. فالعهد الأموي عرف بالتّحيّز للعنصر العربي، وتقديمه له على كلّ
(1) - المصدر السّابق، ص: 80، 81.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 219 – 237.