دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٨

العناصر الأخرى، بل وصل الأمر أحيانًا إلى تهميش غيرهم. من جهة أخرى ساء ابن دريد وأقلقته المتغيّرات التي حدثت في المجتمع العباسي، الذي عاش فيه، وأثّرت على الأصالة العربية: لغة وأدبًا وعادات وتقاليد وأعرافًا … ممّا كان ينذر بأخطار كبيرة على الحياة العربية … فرأى ابن دريد ضرورة العمل على إنقاذ الوضع، فاتّجه إلى وسيلة عملية، وعمد إلى ربط الأجيال بمواقف من يتمتّع بالأصالة العربية، التي تتحرّز من العناصر الأعجمية، التي قد تضرّ بالوجود العربي مسيرًا ومصيرًا. وعمل على تلقينهم وصاياهم وأقوالهم وآراءهم، حتّى يتخرّجوا عليها، ويفقهوها جيّدًا، ويسيروا على هديها. هذا ما فهمته مبدئيًا – على الأقلّ – من هذا المسلك من ابن دريد العربي الموجِّه، ومن منهج أحمد درويش الدّارس.

يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " والنّاظر في هذه الأحاديث يجدها متنوّعة الموضوعات، ولكنّها مستقاة كلّها من البيئة العربية، حضرية كانت أو بدوية، ولو أنّ أغلبها يتحدّث عن البيئة الصّحراوية. ولكنّ الجامع بينها هو الهدف الذي ترمي إليه جميعها، وهو بثّ الأخلاق الفاضلة والنّظرة السّليمة إلى الحياة، على أساس مراعاة جانب الله في كلّ عمل، والتّعامل بالحسنى بين النّاس … "(1)

الموضوعات التي طرقها ابن دريد في أحاديثه كثيرة، اكتفينا بالإشارة إلى بعضها، لمعرفة أفكاره واتّجاهه. ولم نقصد إلى استقصائها في هذه الدّراسة المقتضبة. إنّما نقول: هي مهمّة؛ إذ تناولت جوانب متعدّدة من الحياة العربية، وقدّمت صورة جيّدة عن الثُقافة العربية والإسلامية. المهمّ في الموضوع أنّ ابن دريد ركّز على الجانب الأخلاقي والقيم والشّمائل، ومجال تكوين الإنسان وبناء شخصيته. ومن عرضه وإملاءاته قدّم رسائل كثيرة للموجّهين والمربّين، وللأجيال الصّاعدة، لتعرف كيف تسير في الحياة، وكيف توجّه حياتها، وبماذا تتمسّك، وعلى ماذا تعتمد … هذا ما أعطى قيمة كبيرة لمضمون أحاديثه، وهو ما يتطلّب مزيدًا من الدّراسة لها لاكتشاف مضامين جديدة، والقيام بقراءات أخرى، وتقديم نقد لهذه الأحاديث ولما قُدِّم حولها من دراسات وقراءات …

(1) - محمد بن الحسن بن دريد حياة من أجل الأدب، ص: 163.

٣٨ / ٥٣