دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤ما أشار إليه الدّكتور أحمد درويش مهمّ جدًّا. فاعتماد أبي عليّ القالي على الإملاء، وعل اختيار ما يملي من محفوظه عن العلماء السّابقين، يبعث على التريّث في قبول كلّ ما رواه منسوبًا إلى ابن دريد، ثمّ التّركيز والبحث لتمحيص ما هو لابن دريد، وما هو لغيره؛ لأنّ الطّريقة التي اتّبعها القالي، ليست دقيقة في إيراد الأحاديث. فقد تُوَرِّطُ القارئ في تحديد ما له وما ليس له، فينسب كلّ الأحاديث لابن دريد. من هنا نقول: إنّ ما قام به أحمد درويش له أهميّته، إنّه يساعد ويبعث على مواصلة دراسة هذه الأحاديث بعمق وموضوعية، ويدعو إلى إعادة النّظر في بعض الأحكام التي صدرت عنها، قد يعين على الوصول إلى نتائج أكثر دقّة وواقعية، تتناسب مع حقيقة هذه الأحاديث.
نعرض في يأتي الملاحظات التي قدّمها أحمد درويش حول طريقة إيراد أبي عليّ القالي لأحاديث ابن دريد، وبناء عليها اقْتَرَحَ منهجًا آخر في تناولها.
1 - " وهذه الأمالي اتّخذت شكل محاضرات شفهية، تعرف طريقها إلى الوجود عن طريق آذان النّاس، ممّن يحضرون مجلس أبي عليّ في مسجد قرطبة، قبل أن تعرفه لاحقًا عن طريق "عيون" القرّاء في الأمكنة والأزمنة الأخرى، ومن ثمّ فإنّها اتّبعت منهج "المجلس"، الذي يعتمد عل الإمتاع، من خلال تنوّع الموضوعات وتشعّبها، لا من خلال وحدتها وتعمّقها. ثمّ إنّها أرضت من خلال ذلك ذوق العصر، الذي كان يأنس إلى هذا النّوع من المعارف المتنوّعة، لا على مستوى السّماع فقط، ولكن على مستوى القراءة كذلك في كتب "الأخبار"، التي لا شكّ أنّ ابن دريد كان له تأثير بارز في تشجيع تلاميذه على التّأليف فيها."(1)
إنّ المجلس الذي يكتنفه طلب المعرفة الممزوجة بالمتعة، يدفع من يتصدّره ويملؤه بما يقدّمه فيها للملتزمين بمجلسه، إلى توفير هذا الجوّ حتّى يضمن له الاستمرارية، بعدم انقطاع مريديه عنه. هذا ما قد يسير به في طريق الإضافات والزّيادات، حين لا تتوفّر في الآثار المُملاة المتعة والنّشوة. وهو ما ينتج عنه إيراد ما ليس من آثار ابن دريد. فإذا أضيف إليه شرط آخر وهو السّير على ذوق العصر، الذي يطلب التّنوّع في المعارف في المجلس، الذي هو أيضًا من مقتضيات مستوى السّماع. فإنّ الأمر يبعث على التّريّث في قبول كلّ ما أورده القالي من هذه الأحاديث. وهو ما يدعو إلى مزيد التّمحيص والتّدقيق.
(1) - المرجع السّابق، ص: 129، 130. قدّم أحمد درويش مثالا على ذلك بما عزم عليه تلميذه المسعودي، كما ذكر ذلك في كنابه مروج الذّهب، ينظر المرجع السّابق، ص: 130.