دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٥

2 – أشار الباحث إلى أنّ أبا عليّ القالي لم يسلك في إملاء هذه الأحاديث مسلكًا واضحًا منتظمًا، يعتمد التّأليف المنظّم، ولا التّرتيب الذي يستند إلى تصنيف منظّم رتيب. وإنّما تأتي الأخبار على حسب ما سنح من فوائدها، وهذه الفوائد تتحدّد بحسب ذوق كلّ مؤلِّف ورأيه أو تقديره:" ويبدو أنّ الفائدة كانت موضع تركيز أبي عليّ القالي. وكادت أن تكون في بعض الأحاديث الخيط الخفيّ الذي يجمع بين خبرين، أو مجموعة أخبارٍ متلاحقة. ونقول كادت؛ لأنّه في كثير من الأحيان أيضًا ينعدم هذا الخيط، فلا يُرَى رابط بين الأخبار المتلاحقة، سوى رابط الفائدة والمتعة اللّغوية والأدبية بعامّة."(1)

3 – " في مقابل هذا الخيط الخفيّ، لم يهتمّ القالي بخيوط أخرى، كان يمكن أن تجمع بين الأحاديث المتناثرة، وتوجِد بينها لونًا من المتعة، ربّما يقدّم مذاقًا مختلفًا، ومنها الرّوابط الموضوعية. فهناك مجموعات من الأحاديث تدور حول "الأعراب والبادية"، وتعكس عالمهم في عيون أهل الحضر من زوايا متعدّدة، تمتدّ من البلاهة والغفلة، إلى الأناة والحكمة. وهناك أحاديث أخرى تدور حول عالم " النّساء والعشق"، وتعكس بدورها صورة عن المرأة فتاة وزوجة وأمًّا وعاشقة ومعشوقة، خاضعة للتّقاليد ومتحايلة عليها، وذات دور هامّ في المجتمع وإدارة شؤونه … إنّ هذه الملامح الفنّية التي تمثّل القيمة الفنّية الني ربّما تكون " الأولى" في الأحاديث، لم يهتمّ بها القالي."(2)

ذكر الباحث مجموعة من الأحاديث، يجمعها موضوع واحد، كان يمكن للقالي أن يوفّر للقارئ عناء قراءتها في صفحات مختلفة، ويهيّئ له جوّ التّركيز أكثر، لو سلك منهجًا أكثر دقّة في إيرادها، واعتنى بالرّوابط الموضوعية، فجمعها في مجموعات.

لا أظنّ أنّ الأمر يتعلّق بالاهتمام من عدمه، بقدر ما يرجع إلى ما هو سائد في العصر، الذي عاش فيه أبو عليّ القالي. فإنّ ما يتحكّم في الإنسان منهجيًا هي السَّنَنُ التي تحكم عصره، والطّريقة التي نشأ عليها، وربّما التي تلقّاها من موجّهيه، فلا يستطيع منها انفلاتًا، أو لا يقوى عنها فكاكًا. فإنّ ما انتهجه القالي هو المنهج الذي كان سائدًا، وهو المسلك الذي ارتضاه أبناء عصره، وقد عكسه في إملاء هذه الأحاديث.

(1) - المرجع السّابق، ص: 130، 131.

(2) - المرجع السّابق، ص: 131.

٥ / ٥٣