دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٠

إلى جانب السّجع، نلحظ الجمل المتساوية في فقراتها، والفواصل التي جاءت على صيغة واحدة (المفاعل) (السّبائك، النّيازك، العوانك، الأرائك، الدّرانك) و (فُعْل) (صور، نور) كلّ ذلك أحدث إيقاعًا رتيبًا، أوجد موسيقى جميلة، تطرب الأذن، وتحرّك النّفس، وربّما تثير المشاعر، وتحرّك العواطف …

قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: مَرَّ مَنْسِرٌ من العرب على غلام يرعى غُنيمةً له، وبينه وبين أهله شِعْبٌ أو نَقْبٌ، فترك غنمه، وأسند في الحبل، فأتى قومه، فأنذرهم، فقالوا له: ما رأيت؟ قال: سبعة كالرّماح، على سبعة كالقداح، غائرة العيون، لواحِقِ البطونِ، مُلس المُتون، جريُها انبتار، وتقريبُها انكدار، وإرخاؤها استعار. وعهدي بهم قد لاذوا بالضِّلَع، وكأنّكم بغبارهم قد سطع. فلم يفرُغ من كلامه حتَّى رأوا الغَبَرَةَ فاستَعَدُّوا، وصادفوا القوم حاذرين فأدبروا عنهم."(1)

جاء السّجع هنا متنوّعًا، بتغيير حرف الفاصلة، بعد كلّ جملتين. فَهذا يحدث موسيقى، منبعثة من نبرات مختلفة، تطرب لها النّفس، بتنوّع أشكالها وألوانها. هذا لون آخر من الصّياغة المبنية على الشّكل والنّغمة المنبعثة من داخل التّراكيب.

قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: خرج رجل من العرب في الشّهر الحرام طالبًا حاجة، فدخل في الحِلِّ، فطلب رجلاً يستجير به، فَدفَعَ إلى أُغَيْلِمَةٍ يلعبون، فقال لهم: من سيّد هذا الحِواء؟ فقال غلام منهم: أَبِيهْ، قال: ومن أبوك؟ قال: باعِثُ بنُ عُويْص العاملي، قال: صِفْ لي بيتَ أبيك من الحِواء، قال: بيت كأنّه حرّة سوداء، أو غمامة حمّاء، بفنائه ثلاثة أفراس، أمّا أحدُها: فمُفرِع الأكتاف، مُتماحِلُ الأكْناف، ماثلٌ كالطِّراف. وأمّا الآخرُ: فذيّالٌ جوّالٌ صهّال، أمينُ الأوصال، أشَمُّ القذال. وأمَّا الثّالث: فَمُغار مُدْمَج، مَحْبوكٌ مُحَمْلَج، كالقَهْقَر الأَدْعَج. فمضى الرّجل حتّى انتهى إلى الخِباء، فَعَقَدَ زمام ناقته ببعض أطنابه، وقال: يا باعث، جارٌ عَلِقَتْ علائقُه، واستحكمت وثائِقُه، فَخَرَجَ إليه باعث فأجاره."(2)

(1) - المصدر السّابق، ص: 44. قال أبو عليّ: المَنْسِر: جماعة الخيل. والمِنْسَر بكسر الميم: منقار الطّائر؛ لأنّه ينسر به، أي ينتف به.

(2) - المصدر السّابق، ص: 57. المُفرع: المشرف. القذال: معقد العذار. المُغار: الشّديد الفتل.

٤٠ / ٥٣