دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤١هذا مثال آخر تنوّعت وتعدّدت فيه أشكال الأسجاع، بين جمل متساوية الفقرات، وأخرى اعتمدت على تكرار الصّيغ في كلمات متساوقة، مع تنوّع في نهايات الفواصل … مجموع كلّ ذلك أوجد موسيقى، مبعثها في الدّرجة الأولى السّجع غير المتكلّف.
هذا الأسلوب يبيّن تحكّم العرب الفصحاء في اللّغة، وقدرتهم على التّعبير والتّحبير، والتّنويع في الصّياغة … فكان ابن دريد يعرض ذلك على النّاشئة؛ ليطلعها على هذه الأساليب البيانية الرّاقية، لتتعلّم، وتحذو حذوها، فتتخرّج على الكتابة الرّفيعة الأصيلة.
2 – ورود الغريب في الأحاديث
تكثر في أحاديث ابن دريد الكلمات الغريبة، بل الحوشية أحيانًا. كثير ما نعثر في كتاب الأمالي على عناوين لأحاديث هكذا: " تفسير ما جاء من الغريب في حديث … أو شرح الغريب من ذلك …
قد يكون اهتمامه بالتّعليم، وحرصه على التّوجيه عاملا كبيرًا في انتحائه هذا المنحى، " فهو حين يهدف إلى بيان أصل اللّغة، ويبغي نفض الغبار عن الكلمات التي تنوسيت، يعمد إلى الإكثار من الكلمات الغريبة، ليلقّنها النّاشئة … "(1)
أورد أبو عليّ القالي الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب تفسير ما جاء من الغريب في وصف الغلام للعنز التي كان ينشدها": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه عن أبي عمرو بن العلاء، قال: رأيتُ باليمن غلامًا من جَرْمٍ ينشُدُ عنزًا، فقلت: صفها يا غلام، قال: حسْراءُ مُقبلة، شعْراءُ مُدبرة، ما بين غُثْرَةِ الدُّهْسَةِ، وقُنُوءِ الدُّبسة، سَجحاء الخدّين، خطلاء الأذنين، فَشْقَاءُ الصُّورَيْن، كأنّ زَنْمَتَيْها تَتْوَا قُلَنْسيَة، يا لها أمَّ عِيالٍ، وثِمالَ مالٍ."(2)
بعض المفردات في الحديث غريبة، في حاجة إلى شرح، بل بعضها صعب النّطق. لا نشكّ أنّ ابن دريد قصد من الإتيان بهذا الحديث الذي اشتمل على هذه الكلمات الغريبة تعليمَ النّاشئة اللّغة العربية مروية عن الأعراب الأقحاح، الذين عاشوا بعيدين عن تأثير الحضر، بدليل إيراد الحديث منقولاً عن أبي عمرو بن العلاء، الذي كان من بين الرّجال الذين قصدوا البوادي والبيئات العربية الأصيلة لجمع اللّغة
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم (مخطوط)، ص: 21.
(2) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 34. غُثرة: غُبرة كَدِرة. الدّهسة: لون كلون الدَّهاس، قال الأصمعي: والدَّهاس من الرّمل: كلّ ليّن لا يبلغ أن يكون رملاً، وليس بتراب ولا طين. القنوءُ: شدّة الحمرة.